كتاب عربي 21

عن رحيل طارق البشري: أين المشاريع الفكرية والسياسية الجديدة؟

1300x600
في أواخر شهر شباط/ فبراير رحل عن هذه الدنيا الفقيه الدستوري والقانوني والمستشار السابق، المفكر الأستاذ طارق البشري، رئيس لجنة تعديل الدستور المصري بعد ثورة 25 يناير 2011، والنائب الأول السابق لرئيس مجلس شورى الدولة المصري، وأحد أبرز المشاركين في إعداد المشروع النهضوي العربي الذي أعده مركز دراسات الوحدة العربية وأعلنه في بيروت رئيس المركز آنذاك، الشخصية القومية البارزة الدكتور خير الدين حسيب، في مثل هذه الأيام قبل 11 سنة.

هذا الفقيه الدستوري كان مصدر ثقة وتفاؤل لدى الشعب المصري ومختلف القوى المصرية الحزبية والسياسية والدينية حينما ترأس لجنة التعديلات الدستورية عقب ربيع مصر العربي، وكان دوما خير ممثل لضمير القضاء المصري، ولنقاء هذا الضمير. وفي وقت مبكر حين كتب كتابه عن "الحركة السياسية في مصر 1945-1952"، ثم قام بمراجعة هذا الكتاب في طبعة لاحقة، كان مصدر إعجاب واحترام لدى معظم الأوساط الفكرية المصرية والعربية والإسلامية، وكان يؤكد دوما أن الفكر الاجتماعي يحتاج إلى مراجعة دائمة.

وقد تعلمت منه مختلف الأجيال الكثير الكثير، سواء من كتاباته حول "الديمقراطية ونظام 23 يوليو"، وكتابه الفذ "المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية"، ودعواته إلى تجديد الفقه الإسلامي، ومنهج النظر في النظم السياسية المعاصرة لبلدان العالم الإسلامي، ومساهماته حول العلاقة بين العروبة والإسلام.

هذا النموذج الذي يمثله الأستاذ طارق البشري من الشخصيات العربية والإسلامية؛ أصبحنا نفتقده اليوم في الواقع العربي والإسلامي، فنحن من جيل عايش وتابع نتاجات وأعمال عدد كبير من المفكرين والعلماء والشخصيات التي تركت وراءها مشاريع فكرية وسياسية هامة، أو أنها ساهمت في إطلاق أحزاب ومشاريع فكرية ونضالية وسياسية؛ تركت بصماتها على الحياة السياسية والفكرية طيلة المائة سنة الماضية وحتى اليوم.

ولا نستطيع أن نعدد أسماء كل هذه الشخصيات الفكرية والسياسية والنضالية والأدبية التي تركت بصمات هامة في الواقع الفكري والسياسي، ولا زال لها تأثير كبير حتى اليوم رغم رحيل معظمها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: الإمام حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين، والشيخ تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير، وأبو الأعلى المودودي، وأبو الحسن الندوي، والمفكر سيد قطب، والمرجع السيد محمد باقر الصدر، والشاعر والمفكر محمد إقبال، والمفكر مالك بن نبي، والإمام الخميني، والدكتور محمد عابد الجابري، والدكتور محمد أركون، وساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق وغيرهم من مؤسسي حزب البعث، وأنطوان سعادة مؤسس الحزب القومي السوري الاجتماعي، والشاعر بدر شاكر السياب، والشاعر محمود درويش، والإمام موسى الصدر، والمرجع السيد محمد حسين فضل الله، والإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين، والأستاذ كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي وصاحب مشروع فكري صوفي خاص، والشاعرة نازك الملائكة، والشاعر يوسف الخال وأصدقاؤه مؤسسو تيار الحداثة في الشعر العربي، والروائي عبد الرحمن منيف، وبديع الزمان النورسي مؤسس مدارس وجماعة النور في تركيا، ومحمد عبد الوهاب مؤسس الحركة الوهابية، والكاتبة بنت الهدى شقيقة السيد محمد باقر الصدر، والشهيد عبد القادر الحسيني، والشهيد عمر المختار، والمناضل أحمد بن بلة، وجورج حبش من مؤسسي حركة القوميين العرب، والرئيس جمال عبد الناصر، والمفكر الدكتور حسن الترابي، والشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، والمفكر الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، والدكتور فتحي يكن، والعلامة الشيخ فيصل المولوي، والعلامة الشيخ سعيد شعبان، والعلامة السيد عباس الموسوي، والمفكر الدكتور كليم صديقي، والمطران غريغوار حداد.

.. إلى غير ذلك من الشخصيات الفكرية والأدبية والنضالية والسياسية والجهادية والفنية، والتي تركت بصماتها على مسيرة النضال والفكر والجهاد طيلة المائة عام الماضية ولا تزال بصماتها حتى الآن، ولا نستطيع إحصاءها في مقال أو دراسة، وهناك موسوعات صدرت خلال السنوات الماضية تؤرخ لبعض هذه الإنجازات، ومنها ما صدر عن مركز دراسات الوحدة العربية، وكذلك المشروع الذي بدأ بتنفيذه مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في بيروت، والذي يقدّم أعمال وإنجازات ومشاريع رجال الفكر والإصلاح في العالم العربي والإسلامي.

ومع أن وسائل الإعلام والأدوات التكنولوجية والفضائيات المتوفرة اليوم، لم تكن موجودة قبل مائة عام وخلال مرحلة طويلة، فإن هذه الشخصيات الفكرية والسياسية والأدبية تركت بصمات هامة من خلال الكتب التي أصدرتها، وعبر المجلات ووسائل الإعلام التقليدية، وبعضها تمت ترجمة أعماله من لغات أخرى إلى اللغة العربية، وأصبحت معروفة في العالم العربي أكثر مما هي معروفة في بلادها.

وقد شهدنا في السنوات الأخيرة ظواهر من خلال الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي، ومنها ظاهرة الدعاة الجدد، ووعاظ ومشايخ الفضائيات، وبعضهم ترك آثارا عملية في مرحلة معينة في الواقع الفكري والاجتماعي والإعلامي، ولكن تراجع هذا الدور مؤخرا.

طبعا هناك شخصيات جهادية ومناضلة بعضها رحل وترك آثارا مهمة على صعيد العمل المقاوم في العالم العربي والإسلامي ولا يمكن تعدادهم، وهناك شخصيات مقاومة لا تزال فاعلة إلى اليوم، ولا سيما قادة المقاومة في لبنان وفلسطين، كما أن هناك مفكرين وعلماء وأدباء ناشطون إلى اليوم في محاولة لاستكمال التجارب النضالية والسياسية والعلمية، لكن ما نفتقده هو المشروع الفكري أو السياسي القادر على تجاوز الحدود والأقطار والمذاهب والساحات، كما كان الأمر سابقا.

لقد برزت في السنوات الأخيرة بعض المحاولات لطرح أفكار جديدة ومنها الدعوة للتكامل الإقليمي، أو مشروع الكونفدرالية المشرقية، أو الإمبراطورية المشرقية، وصولا لمشروع التعاون الإسلامي بين عدد من الدول الإسلامية، أو غير ذلك من الأفكار التجديدية في الفكر الإسلامي والعربي، لكنها حتى الآن لم تتحول إلى مشاريع فاعلة ومؤثرة في الواقع العربي والإسلامي.

وهناك مشروعان سياسيان كبيران في المنطقة، الأول المشروع التركي الذي يجسده الرئيس رجب طيب أردوغان ويجمع بين القومية التركية والتاريخ العثماني والبعد الإسلامي، والثاني المشروع الإيراني الذي يجمع البعد القومي الإيراني مع نظرية ولاية الفقيه، ويتبنى دعم محور المقاومة ويطرح الوحدة الإسلامية، وإن كان أحيانا يعتمد على البعد المذهبي الشيعي.

وهذان المشروعان هم الأكثر تأثيرا على الصعيد السياسي والعسكري والأمني في المنطقة، ولكنهما يواجهان عقبات كثيرة، وفي العالم العربي هناك من يطرح مشروع الدولة المدنية أو دولة المواطنة، كما يتم طرح مشروع مقاومة التطبيع وإعادة المشروع النهضوي العربي في مواجهة المشروع الصهيوني أو المشروع الأمريكي الهادف لتصفية القضية الفلسطينية، كما شهدنا مشروعا نهضويا في ماليزيا وإندونيسيا ولكنه لم يستكمل.

لكن ما يمكن ملاحظته اليوم، وفي أجواء رحيل شخصية بوزن وقامة المستشار والفقيه والقانوني طارق البشري، أننا نفتقد اليوم هذا الحجم من هذه الشخصيات المميّزة والمؤثرة، أو الشخصيات الحاملة لمشاريع فكرية وسياسية عابرة للأوطان والقارات، فهل من تفسير اجتماعي وعلمي وتاريخي لهذه الظاهرة؟ وأين تكمن الأسباب والأبعاد والدلالات لكل ذلك؟

twitter.com/KassirKassem