قضايا وآراء

الجيش ومطالب الحركة الوطنية المصرية

1300x600
هناك علاقة ملتبسة تحكم الحركة الوطنية المصرية بالجيش، فلم ينفصل الجيش عن مطالب الحركة الوطنية المصرية خلال القرنين الميلاديين الأخيرين؛ ما بين فاعل رئيس فيها أو يتم استدعاؤه لتحقيق مطالبها.

وتميزت كل اللحظات المفصلية بحضور طاغ للجيش خلال التواريخ المهمة من هذه الفترة، ولهذا انصبت معظم التحليلات على طبيعة الجيش ودوره السياسي والعسكري، من دون النظر في طبيعة المطالب التي قدمتها الحركة الوطنية للجيش خلال هذه العقود الطويلة وتقييمها.

وتعريف الحركة الوطنية هنا يتمثل في التكوينات الشعبية المنظمة أو العفوية التي استطاعت أن تقود الرغبة الشعبية في إطار الثورات أو الحوادث الهامة.

من المهم في البداية التنويه إلى أن هناك خمس ثورات كبيرة هزت مصر خلال القرنين الماضيين، وكان الجيش هو الذي قام بالفعل باثنتين منها، وهما الثورة العرابية عام ١٨٨٢ وثورة يوليو ١٩٥٢. وكان متصدرا للمشهد ومديرا للفترة الانتقالية في ثورة ٢٥ يناير (٢٠١١)، عندما أزاح مبارك وتولى بعده شؤون البلاد بشكل مباشر لمدة عام ونصف العام.
خلال هذه الأدوار التاريخية، لم يقم الجيش بهذه التحركات من تلقاء نفسه، وإنما كانت استجابة لغضب شعب عارم، وإن لم يؤدِ تدخله بالضرورة إلى تحقيق الآمال والمطالب الشعبية

وخلال هذه الأدوار التاريخية، لم يقم الجيش بهذه التحركات من تلقاء نفسه، وإنما كانت استجابة لغضب شعب عارم، وإن لم يؤدِ تدخله بالضرورة إلى تحقيق الآمال والمطالب الشعبية. وتبقى فقط الثورتان: القاهرة الأولى وثورة ١٩١٩؛ هما الثورتان اللتان لم يكن للجيش أي دور فيهما، ولذا فإن الجيش يرى في نفسه جزاء من حركة التحرير من الاستعمار خلال القرنين الماضيين.

في آخر ثورتين كبيرتين (١٩٥٢ و٢٠١١) كان هناك استدعاء مباشر للجيش من قبل القوى الوطنية المختلفة ليقوم بتحرك مباشر تجاه السلطة القائمة. وكانت لهذا الاستدعاء صيغ مختلفة تمثلت في درجات مختلفة من مباركة التحرك وصولا للتنسيق المباشر مع الضباط في هذه الفترات، وكان رهان الوعي الجمعي وقتها أن الجيش سيسلم السلطة للمدنيين، وكان البيان الأول للضباط الأحرار في ٢٣ تموز/ يوليو واضحا حين دعا، ضمن أهدافهم، إلى قيام حياة ديمقراطية سليمة. الأمر نفسه تكرر حين تعهد الجيش بعد رحيل مبارك في شباط/ فبراير ٢٠١١ بتنظيم الانتخابات وتسليم السلطة للمدنيين.

في الثالث من تموز/ يوليو ٢٠١٣ لم يكن بمقدور الجيش أن يقوم بأي تحرك ضد الرئيس المنتخب محمد مرسي رحمه الله؛ سوى بإجماع وطني من قوى المعارضة، حتى من دون مشاركة الإخوان، لكنه التقليد التاريخي القديم القائم على التدخل الاستثنائي استجابة لضغط الشارع. وقد بالغ الجيش وقتها في التجويد، فأضاف لمشهد وزارة الدفاع شيخ الأزهر وبابا الأرثوذوكس.

وبالتالي، عند مناقشة أي مستقبل لمصر على أي صعيد يصعب التكهن بخروج الجيش بشكل كامل من المعادلة، ويصعب أيضا ضمان حياديته وتسليمه السلطة للمدنيين طواعية، ليس فقط لغواية السلطة، ولكن لطبيعة الدور الذي يرى فيه الجيش نفسه. ويبقى الرهان على الوعي المستقبلي للحركة الوطنية في ترشيد مطالبها، بغض النظر عن السياق الذي ستقدم فيه هذه المطالب.
عند مناقشة أي مستقبل لمصر على أي صعيد يصعب التكهن بخروج الجيش بشكل كامل من المعادلة، ويصعب أيضا ضمان حياديته وتسليمه السلطة للمدنيين طواعية، ليس فقط لغواية السلطة، ولكن لطبيعة الدور الذي يرى فيه الجيش نفسه

يقول الدكتور أنور عبد الملك في كتابه "الجيش والحركة الوطنية": إن الاتجاه نحو الاشتراكية في الخمسينات كان حتمية تاريخية فرضتها ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، والتي أشعلت جذوة الحرية الاجتماعية وتكافؤ الفرص. كما اعتبر أن الحرية السياسية في ذلك الوقت ستعني بالضرورة حرية الإقطاع بما يتناقض مع هذه القيم المفترض تطبيقها تعبيرا عن إرادة الجماهير. ولا معنى للديمقراطية السياسية من دون ديمقراطية اقتصادية، على حد قوله.

وهي الأفكار ذاتها التي تعيد السلطة تدويرها حاليا في مصر. ولذا فإن من المهم إعادة النظر في شكل المطلبية العامة السياسية؛ ليس من زاوية الحريات السياسية وحسب، ولكن وفق رؤية اقتصادية تسير معها جنبا إلى جنب تشكل بديلا ولو نظريا لإصلاح الوضع الحالي.

twitter.com/hanybeshr