قضايا وآراء

كورونا و"اللقاحوفوبيا" في مصر

1300x600
خبر عاجل أثار قدرا كبيرا من الارتياح في الشارع المصري مساء يوم الأحد (13 كانون الأول/ ديسمبر الجاري)، حيث أعلنت الهيئة العامة للاستعلامات في مصر عن تأجيل وصول الشحنة الثانية من لقاح "سينوفارم الصيني" إلى أجل غير مسمى.

وكان الشعب المصري قد فوجئ في ساعة متأخرة، من مساء يوم الخميس (العاشر من الشهر الحالي) بهرولة وزيرة الصحة إلى مطار القاهرة لتكون في شرف استقبال الشحنة الأولى من ذلك اللقاح. وفي مؤتمر صحفي قصير قامت الوزيرة بتوجيه الشكر للقيادة السياسية العظيمة - على حد قولها – مؤكدة على أن اللقاح وصل سريعا بناء على مبادرة من السيسى، لتصبح مصر أول دولة أفريقية تحصل على لقاح فيروس كورونا، والذي كان هدية بدعم من شركة G42 الإماراتية للرعاية الصحية.

وسادت موجة من الحيرة بين جميع المصريين، بسبب قلة المعلومات المتاحة عن اللقاحات الصينية، وكان ذلك واضحا حين أعلنت الحكومة في شهر آب/ أغسطس الماضي عن فتح بابا التطوع بين المصريين وطلب حضور ستة آلاف مواطن ليصبحوا مبحوثين ضمن التجارب السريرية على لقاحين صينيين، ثم توقفت التجارب السريرية فجأة في بداية الشهر الحالي ولم يكتمل العدد المطلوب للمتطوعين، وهذا دليل على عدم القناعة عند المصريين.

وقد سادت مصر حالة من الترقب والأمل بعد الإعلان عن نتائج لقاحات فايزر/ بيونتك، ومودرنا، وسبوتنيك V، وتحصيل نسب نجاح تقارب 95 في المائة. وجاء إعلان مجلس الوزراء يوم الثالث من الشهر الجاري مبشرا للمصريين، حيث تم تكليف وزيرا الصحة والمالية ببدء التفاوض فورا مع التحالف الدولي للتطعيمات والمناعة (Global Alliance for Vaccination and Immunization- GAVI)، التابع لمنظمة الصحة العالمية، بهدف توفير لقاح دولي معترف به يكفي 20 في المائة من شعب مصر. ولكن وفي مساء ذات اليوم جاءت تصريحات المتحدث الرسمي لمجلس الوزراء مخيبة للآمال، حيث أعلن عن قصور الجاهزية والإمكانيات المصرية لاستقبال لقاح فايزر/ بيونتك، نظرا لاحتياجه لتجهيزات خاصة للتبريد خلال الشحن والنقل والتوزيع، حيث أنه يحتاج إجراءات لوجستية غير متاحة للواقع المصري الذي يعاني من عدم القدرة على توفير المبردات في سلسلة التبريد للقاحات، وهذا مؤشر خطير على عدم اهتمام الدولة بمواجهة وباء كورونا عمليا.

اللقاح الصيني يدخل مصر بمبادرة رئاسية:

كانت تصريحات وزيرة الصحة في المطار توحي ضمنيا بوجود اعتماد من منظمة الصحة العالمية للقاح الصيني، وبأن موافقة دولة الإمارات تكفي للتصريح باستخدامه في مصر. ولكن يبدو أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن؛ فقد أعلنت منظمة الصحة العالمية بعدها وعلى لسان المتحدثة الرسمية باسم رئيس المنظمة بأنه لم يتم إصدار أية اعتمادات لأي لقاح على مستوى العالم، وأنه لا بد من الموافقة المحلية للطوارئ لكل دولة حسب ظروفها. ومما يؤكد على ذلك ما صدر عن الحكومات في بريطانيا وكندا وأمريكا والسعودية والبحرين نحو اعتماد لقاح فايزر/ بيونتك رسميا من الجهات المختصة في كل دولة، فكان من المثير للقلق أن تصر وزيرة الصحة على أنها قد اعتمدت على موافقة دولة الإمارات دون العرض على الجهة المصرية الوحيدة المسئولة وهي "هيئة الدواء المصرية"، والمنوط بها إصدار تراخيص الصلاحية لأية عقارات أو لقاحات جديدة قبل دخولها مصر، وذلك حسب القانون رقم 151 لسنة 2019، وكانت الهيئة مغيبة تماما عن أداء عملها.

"اللقاحوفوبيا" وقلق المواطن المصري من اللقاح الغامض:

وأعتقد أن الإحساس السلبي لدى المواطن المصري جاء كرد فعل طبيعي نحو الإعلان على أن المبادرة الرئاسية تؤكد على مجانية اللقاح الصيني (والذي وصل فجأة ودون إجراء أية اعتمادات صحية مسبقة)، في حين يعاني المواطنون من القصور الشديد نحو إجراء اختبارات تشخيص فيروس كورونا المستجد، وفرض رسوم مرتفعة جدا نظير إجراء الاختبارات في المعامل الحكومية، وكانت الصورة أشد قتامة عند أعضاء الأطقم الطبية، حيث تكررت الشكاوى من التقصير الحكومي في متابعة فحص المرضى والمخالطين.

وفي محاولة منها لتهدئة الانتقادات الشعبية، خرجت وزيرة الصحة على الفضائيات مروجة للقاح الصيني، ولكن جانبها التوفيق حين أعلنت أن نسبة الفشل المناعي للقاح تبلغ 14 في المائة، وزاد من سوء تقديرها أن قالت صراحة أن هذا اللقاح ليس ضمن مجموعة اللقاحات التي يخطط التحالف الدولي (GAVI) لتوزيعها، مما زاد من الريبة والشكوك عند المواطن العادي. وأعلنت أنه توجد موافقة نهائية للقاح أصدرتها الإمارات يوم 9 كانون الثاني/ ديسمبر الجاري، ويبدو أن الوزيرة لم تكن تعلم بأن صحيفة بحجم "نيويورك تايمز" كانت قد نشرت في نفس ذلك اليوم بأن موافقة الإمارات تعتبر هي مفتاح الانتشار للقاح الصيني الغامض والمشكوك فيه.

وكتر اللغط في الوسط الطبي حول شركة G42 الإماراتية للرعاية الصحية، وعن ومدى تغلغلها في الشأن الصحي المصري، خاصة وأنها كانت المسئولة عن متابعة التجارب السريرية في مصر حول اللقاحات الصينية، وأنهت مهمتها دون أية إشارة الى حالة المتطوعين الذين تم حقنهم باللقاح، ودون الإعلان عن أية نتائج عن نتيجة التجارب ونسب النجاح سواء للفعالية أو لضمان الأمان الصحي. ومما زاد من حدة القلق أن تلك الشركة الإماراتية لها علاقات وثيقة مع الكيان الصهيوني منذ سنوات، وتلك وحدها نقطة كارثية نظرا للرفض الشعبي المصري للتطبيع بكافة صورة وتنوع مجالاته.

وكان من الطبيعي أن يتجه الوجدان المصري إلى ذكريات وزير التموين د. باسم عودة في زمن الرئيس مرسى رحمه الله، حين تحدث عن زيت الطعام الذي توفره الحكومة مدعوما للمصريين ووصفه قائلا: "أطيب منتج لأطيب شعب"!! وأن يربط الإحساس الوطني بينها وبين عبارة مشهورة قالها وزير التموين المصري في حكومة السيسي الحالية، حيث أعلن في مؤتمر رسمي متلفز منذ عام عن رفضه للشكوى الشعبية من رداءة نوعية زيوت الطعام المدعومة حكوميا، والتي يرفضها المصريون، وقال "الناس عايزة تتأنعر"!! وهي عبارة شعبية فولكلورية مصرية لها أصل في اللغة العربية من كلمة "النعرة" بمعنى الكبر والخيلاء، في مقابل "الإحسان" الحكومي نحوهم. ويبدو أن الدولة تتخذ من كلمة وزير التموين تلك شعارا لها في اختيار نوعية لقاح كورونا لتقدمه مجانا أو مدعوما، من باب الإحسان على رعاياها من المصريين.