كتاب عربي 21

"نُخَبُ العار".. توصيف ناعم

1300x600

دون أدنى مبالغة ولا تهويل فإنّ أعظم مكاسب الربيع وثورات الشعوب إنما تتمثل في انكشاف الدور الخطير الذي نهضت به النخب المحلية خلال السنوات العشر الأخيرة. لا تغطّي هذه الخلاصة عقود الاستبداد الطويلة حيث تشكلت نواة هذه النخب وتحددت مساراتها الفكرية وخياراتها السياسية والثقافية بل تقتصر أو تكاد على ردود فعل المثقف العربي منذ الانفجار التونسي الكبير إلى اليوم.
 
الثابت الأكيد هو أنّ جزءا كبيرا من الجمهور يرى أنّ سبب انكسار الثورات أو فشلها في إنجاح مُنجزها وتجسيد شعاراتها على الأرض إنما يعود أساسا إلى انخراط النخب العربية عن قصد في مشروع إفشال الثورات لأسباب مركّبة تتعلق بنشأتها وتطورها ومساراتها وخياراتها. هذه المحصّلة المفجعة والصادمة في حصاد التغيرات السياسية الأخيرة هي التي رفعت إلى سطح المعجم السياسي مقولة "نخب العار" تعبيرا عن حالة اليأس والإحباط من الأداء السياسي لمن كان يُنتظر منه أن يكون قاطرة للتغيير. 

نُخبٌ لم تقُد الثورات
 
إذا كان الدور المركزي للنخب السياسية والفكرية عامة هو قيادة التحولات السياسية والتبشير بها أو التخطيط لاندلاعها وقراءة الحواجز التي تقف وراء إنجاحها فإنّ الأمر في الحالة العربية لم يكن كذلك. كانت الثورات العربية الأخيرة عبارة عن انفجار عفوي قاعدي لم ينتبه له أحدٌ ولم يتنبأ به قارئٌ وهو على ما يبدو السبب الأساسي لنجاحها وتمكّنها من إسقاط مجموعة من أعتى النظم الاستبدادية في العالم. 


كانت النخب بمرجعياتها المختلفة قد طبّعت مع الاستبداد بما فيها كثير من الإسلاميين الذين سلّموا بأن الاستبداد هو قدر البلاد العربية وحاكمها الأبدي. 

كان الأمر قبل الانفجار التونسي قائما على معادلة الصمت مقابل السلامة وهو العهد الذي طبع علاقة السلطة السياسية بالنظام القائم. لكنّ أغلب من سمّي زورا نُخبا سياسية كان ينسّق في السرّ من أذرع النظام ويعارضه في العلن وهو الأمر الذي ينطبق على كل التشكيلات القومية والعروبية واليسارية واللبرالية والمستقلّة وحتى الإسلامية كما هو الأمر في مصر مع التيارات السلفية خاصة. 

 

الثابت الأكيد هو أنّ جزءا كبيرا من الجمهور يرى أنّ سبب انكسار الثورات أو فشلها في إنجاح مُنجزها وتجسيد شعاراتها على الأرض إنما يعود أساسا إلى انخراط النخب العربية عن قصد في مشروع إفشال الثورات

 


عندما سقطت واجهة النظام في عدد من الدول كانت النخب المحلية قد تصدّرت المشهد السياسي سواء في السلطة أو في المعارضة بأنْ كان المجال مفتوحا أمام الممارسة السياسية والفكرية على عكس ما كان عليه الأمر قبل الثورات. لكن الصادم في المشهد الجديد هو أنّ هذه التشكيلات الحزبية والفكرية والأيديولوجية والجامعية والحقوقية لم تر في الثورات إلا غنيمة مفاجئة سقطت من السماء وبفضلها ستنجح في تحقيق ما عجزت عن تحقيقه خلال عقود من سطوة الاستبداد. 

صحيح أن كثيرا من النخب العربية كانت جزءا من السلطة السياسة نفسها وخاصة منها النخب الحقوقية من قضاة ومحامين وأساتذة قانون أو النخب العلمية من الأطباء والعلماء أو النخب الجامعية على اختلاف ألوانها أو كذلك النخب الفنية والثقافية بأصنافها المختلفة. لكنّ الثورات كانت فرصة تاريخية من أجل المراجعة والتصحيح والتقييم وتعديل البوصلة على مطالب الشارع ومطامح الشعوب المسحوقة التي كانت تصدّق خطاب النخب ومقولاتها وشعاراتها. 

الجريمة المزدوجة والعار التاريخي 

لم تقتصر الجريمة على تأبيد الاستبداد وتضليل الشعوب والسير في ركاب الحاكم والتمكين له في أحلك الفترات التي عرفتها الأمة لكنّ الجريمة الأكبر إنما تتمثل في خيانة الثورات ومحاولة إحياء الاستبداد عبر آليات مختلفة. لعلّ أشهر هذه الآليات إنما تتمثل في دعم الانقلابات العسكرية وهو المشروع الأخطر الذي شاركت فيه النخب الإسلامية السلفية والقومية الناصرية واليسارية الشيوعية واللبرالية العلمانية في مصر مثلا ضد الرئيس المنتخب. 

إنّه من المهمّ في هذا السياق التنبيه إلى أنّ الانقلاب في مصر لم يكن ضد الإسلاميين ولا ضدّ الإخوان المسلمين لأنّ هذا ما يظهر على الواجهة فقط، فجوهر الانقلاب إنما كان على التجربة الديمقراطية الوليدة وعلى صندوق الانتخابات وعلى ثورة يناير قبل كل شيء.

 

لا يستطيع أحد إذن أن يُنكر الدور المدمّر الذي لعبته النخب العربية خلال السنوات العشر الأخيرة ولا أحد يستطيع أن يدافع عن تورّطها ومشاركتها في إسقاط المسارات الانتقالية وتفخيخها.

 



في ليبيا كذلك تحولت الثورة إلى غنيمة ولم تنجح النخب المحلية أو تلك التي في الخارج في تصفية إرث القذافي وتجاوز عهده المظلم. لا يتعلّق الأمر هنا بالنخب التي تركّز عليها نظام ملك ملوك إفريقيا وقائد ثورة الفاتح بل تلك التي كانت تدعي معارضته وهي التي تتقاتل اليوم فيما بينها من أجل التمكين للجنرال الانقلابي الجديد.
 
لا تختلف تونس حالا عن بقية الدول العربية التي عرفت انتفاضات شعبية كبرى بل إنها اليوم تمثل درسا ناطقا في خيانة النخب لثورة شعبها. نجح نظام بن علي على مدار عقدين من الزمان في تدجين النخب وتجنيدها لخدمة فساد نظام وتبرير جرائمه ولم ينج من منظومته إلا القليل. هاته النخب القومية واليسارية واللبرالية خاصة أصبحت تدافع عن الانقلاب وتدعو إليه بعد أن منحتها الثورة فرصة تاريخية  لتصحيح بوصلتها والتكفير عن ذنوبها وعن خيانتها القديمة. ففي كل يوم ينكشف القناع عن مكوّن جديد من مكونات الثورة المضادة وقد كان منذ مدّة قصيرة يُحسب على الثورة وعلى الثُوّار.

لا يستطيع أحد إذن أن يُنكر الدور المدمّر الذي لعبته النخب العربية خلال السنوات العشر الأخيرة ولا أحد يستطيع أن يدافع عن تورّطها ومشاركتها في إسقاط المسارات الانتقالية وتفخيخها. لكن من جهة أخرى يبدو المكسب عظيما لأنه يكشف أنّ التعويل على النخب الأيديولوجية والفكرية والحزبية في بناء مسار ديمقراطي في سياق ما بعد استبدادي إنما يمثل فعلا محكوما بالفشل.
 
الأمة في حاجة اليوم إلى نخب تطبيقية لا إلى نخب خطابية أو تنظيرية. نحتاج اليوم القدرةَ على بناء المسارات وهندسة طرق الخروج من الأزمات أكثر من حاجتنا إلى النظريات والعنتريات والخطابات الأيديولوجية التي انتهي أجلها. هذا الدرس الثمين يعلن موت الأيديولوجيات السياسية ويفتح أمام الأمة طورا جديد هو طور القدرة على الفعل والإنجاز بدل الخطابة بالمقولات والخلفيات.