أخبار ثقافية

كيف تقرأ تاريخ الأردن؟

أي متابع أو مهتم بالتاريخ الأردني لن يتمكن من معرفة تاريخ هذا البلد بشكل شامل دون أن يقرأ كتب سليمان الموسى- الأناضول

يُعد كتاب "تاريخ شرقي الأردن وقبائلها" لصاحبه فريدريك بيك أولَ كتاب جامع يؤلّف عن تاريخ الأردن، ولقد صدر عام 1934 وترجمه بهاء الدين طوقان إلى العربية.

 

وكان مؤلفه القائد البريطاني للجيش العربي الأردني قبل أن يتقاعد عام 1939 ويحل نائبه كلوب باشا محله في قيادة الجيش.

 

لقد قدم الكتاب، في الجزء الأول، رؤية عمودية تراكمية لتاريخ الأردن انطلاقا من العصور القديمة وصولا إلى العقد الأول من عهد تأسيس إمارة شرقي الأردن؛ فسلّط الضوء على تاريخ الممالك التي قامت على أرض الأردن مثل الأنباط والأدوميين والمؤابيين والعمونيين والغساسنة. ويتنقّل المؤلف بين العصور بشكل متسلسل ليخبرنا عن أبرز الأحداث التي وقعت في هذه المنطقة. 

كما أن الكتاب يقدم، في الجزء الثاني، رؤية أفقية يستعرض خلالها الخريطة العشائرية لسكان الأردن، إضافة إلى جمع وتوثيق التاريخ الشفوي لعشائر المنطقة وقبائلها وأبرز الأحداث التي عاشتها هذه العشائر.

 

وقد حاول بعض المؤرخين الأردنيين التحقق من مصداقية بيك في نقله عن العشائر فوجدوا أنه يتمتع بمصداقية لا بأس بها، وأنّ أغلب روايات العشائر عن نفسها تتطابق مع روايته.

 

غير أن أبرز ما يؤخذ على الكتاب هو اعتماده على الرواية التوراتية لنقل تاريخ الأردن القديم، وهي رواية غير موثوقة تاريخيًا وتحتاج إلى الكثير من التمحيص.

أمّا الكتاب الثاني فهو "تاريخ الأردن في القرن العشرين" ويقع في مجلدين: اشترك في تأليف المجلد الأول كل من منيب الماضي وسليمان الموسى، وأمّا الثاني فمن تأليف سليمان الموسى وحده.

 

وأي متابع أو مهتم بالتاريخ الأردني لن يتمكن من معرفة تاريخ هذا البلد بشكل شامل دون أن يقرأ كتب سليمان الموسى، ورغم أن كثيرين من المثقفين يهاجمونه بوصفه مؤرخ الدولة، وذلك على فرض أن مهمته تطويع التاريخ لصالح النظام فإنّ هذا الفرض وهمي نوعا ما ويطلق غالبًا من قبل أشخاص لم يقرأوا كتبه، فالموسى مؤرخ دقيق غالبا في نقله ويمتاز بأمانة عالية، وإن كان منحازا فإنه لا يلجأ إلى التزوير والكذب بل يلجأ إلى تقديم الأحداث التاريخية من وجهة نظر الدولة وكثير من مؤرخي المعارضة يعتمدون عليه وينقلون عنه.


اقرأ أيضا: كيف قضى التعليم على نفوذ الزعامات المحلية في الأردن؟


يمثّل هذا الكتاب بمجلديه إطلالة واسعة وشاملة -عبر أكثر من ألف وخمسمئة صفحة- على تاريخ الأردن منذ نهاية العهد العثماني وحتى توقيع اتفاقية السلام (اتفاقية وادي عربة) عام 1994م، وبينهما يمر الكتاب على كل التفاصيل والأحداث السياسية التي عاشها الشعب الأردني في تلك الفترة.

 

ففيه ستقرأ أدق التفاصيل عن تاريخ الهاشميين مثلما ستقرأ عن ثورات الأردنيين ابتداء من ثورتي الشوبك والكرك ومرورًا بثورتي البلقاء والكورة إلى حركة الضبّاط الأحرار وتعريب الجيش.

 

كما سيعرف القارئ الدور الأردني في أبرز محطات القضية الفلسطينية من حرب 48 ومرورًا بحرب 67 إلى اتفاقيات السلام، وسيخصص الموسى في المجلّد الثاني أكثر من مئتي صفحة لمناقشة المنظمات الفدائية وعملها على الأرض الأردنية من النشأة إلى الصدام والخروج من الأردن عام 1971م.

بعد قراءة الكتابين السابقين، يكون القارئ تعرّف على الأردن من وجهة النظر شبه الرسمية، ويأتي الدور ليتعرّف على وجهة نظر أعداء النظام الأردني.

 

فقد كان العداء بين النظام الناصري والملك حسين مستحكمًا في إطار التنافس على زعامة المنطقة العربية وأيضًا بسبب اختلاف التوجهات السياسية في معالجة مشاكل المنطقة بين الأنظمة الملكية والجمهورية، ويضاف إلى ذلك سبب ثالث يكمن في اختلاف تبعية الدول العربية للدول الكبرى، فكان طبيعيًا أن ترث خلافاتها وحربها الباردة. 

ولقد دأب النظام الناصري وإعلامه على كتابة تاريخ الأردن من زاوية استعمارية بحتة تجلّت عبر التركيز على فكرة الكيان الوظيفي الذي خلقته بريطانيا خدمة للمصالح الامبريالية والصهيونية.

 

ولم تتوان أدوات هذا الإعلام عن إلحاق الشعب الأردني بأكمله بنظرية المؤامرة، الأمر الذي يستتبع إلغاء هوية هذا الشعب وإهمال تاريخه واختصاره في الدور الوظيفي وأنه ظهر نتيجة لاتفاقية سايكس-بيكو، ورغم أن هذه الاتفاقية أنتجت خمس دول فإن الأردن هو الدولة الوحيدة التي يتم اختزاله هكذا. 

 

ورغم كثرة هذه الدراسات وتنوعها فقد تُرجم مؤخرًا كتاب شامل وملم وملخّص لوجهة النظر هذه، عبر بناء تاريخي وتحليلي موسع ومنحاز.

 

وهو كتاب جوزيف مسعد "آثار استعمارية: تشكيل الهوية الوطنية في الأردن" الذي يحاول عبره الإجابةَ عن سؤالين: كيف استخدمت السلطة الاستعمارية –والقصر من بعدها- القانونَ والجيشَ في تشكيل الهويّة الوطنية للأردني؟ وكيف صدّق الوطنيّون الأردنيون هذه الهويّة وتبنوها؟ فيتتبع دور هاتين المؤسستين في إنتاج الهوية والثقافة الوطنيتين داخل الأردن بوصفه دولة وطنية ما بعد كولونيالية.

لقد عاد مسعد إلى أرشيف ضخم في محاولة إثبات زيف الهويات الوطنية وإرتباطها بالاستعمار، ودور كلوب باشا في تغليب الصفة البدوية على الأردن، وكيف واصل القصر تعميم هذه الصفة، خاصة في السبعينات، على الهوية الأردنية.

 

ويقدم لنا مسعد معلومات وتفاصيل كثيرة عن تاريخ الأردن قد لا نجدها في كتاب آخر، كما أنه يعرض وجهة النظر الفلسطينية في الأحداث التاريخية المشتركة، والتي يمكن أن نقابلها بوجهة النظر الأردنية في الكتابين السابقين للخروج بفكرة واضحة وناقدة لهذه الأحداث.

بعد أن تنتهي من قراءة الكتب السابقة سيراودك سؤال حول صوت غائب لم تسمع رأيه، وهو صوت الأردنيين أصحاب الأرض والهوية.

 

وكي تفهم وجهة نظر هؤلاء تحتاج أن تعرف تاريخهم في العهد العثماني طيلة أربعة قرون وفي الأحداث المفصلية مطلع القرن العشرين (الحرب العالمية الأولى والثورة العربية الكبرى)، ولا يوجد كتاب مفصّل في تاريخ الأردنيين في العهد العثماني مثل كتاب هند أبو الشعر "تاريخ شرقي الأردن في العهد العثماني".

 

تقدم الكاتبة عملا موسوعيا عن تاريخ المنطقة في العهد العثماني وتسلط الضوء على علاقات المجتمع مع الدولة وعلاقاته الداخلية (البدو والفلاحين)، وعلى طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة.

 

وعموما لا يمكن فهم تاريخ الأردن الحديث وطبيعة الصراعات فيه دون العودة إلى كتب هند أبو الشعر.

وكي يكون القارئ ملما بتفاصيل حياة الناس في هذه البلاد في العهد العثماني وفي العهد الانتقالي من حكم الأتراك إلى الانتداب البريطاني وقيام الدولة الحديثة مرورًا بالثورة العربية الكبرى والعهد الفيصلي، عليه أن يقرأ أبرز المذكرات والسير الذاتية لشخصيات أردنية عاشت المرحلة وخاضت التجربة.

 

وتُعد مُذكرات عودة القسوس أهم مذكرات كُتبتْ في هذا الباب. وفي هذه المذكرات إطلالة واسعة على مرحلة من تاريخ الأردن، والكرك تحديدا، ابتداء من القرن الثامن عشر حتى قدوم الأمير عبد الله وقيام الدولة.

 

ويكاد يكون المصدر الوحيد الذي يتوفر على هذه المعلومات خاصة فترة حكم إبراهيم باشا وثورات الكركية وحروبهم معه، كما أنه يقدم معلومات وافية ومفصلة عن ثورة الكرك 1910.

 

إضافة إلى أخبار شرقي الأردن ودور أهلها في الحرب العالمية الأولى وموقف الدولة العثمانية من المسيحيين.

 

ومما يمكن أن نأخذه على هذه المذكرات أنها تفقد قيمتها بعد عام 1929 وهذه الفترة غطاها بصفحات قليلة قدم فيها آراء شخصية لا يمكن أن يوثق بها بشكل كبير.

أمّا تاريخ الحركة الوطنية الأردنية في زمن الدولة الحديثة، فتُعد كتب المؤرخ الدكتور عصام السعدي من أهم المراجع التي تؤرخ لنضال الأردنيين وثوراتهم في وجه الاستبداد والاستعمار.

 

هذا ما تجده في كتبه: الحركة الوطنية الأردنية (1921 _ 1946)، والحركة الوطنية الأردنية (1946 _ 1953)، والحركة الوطنية الأردنية (1953-1957) والأطماع الصهيونية في شرق الأردن.

 

وحينما سئل السعدي لماذا يكثر من الاعتماد على سليمان الموسى أجاب بأن الموسى كان يوقف تاريخ الأردن على رأسه وأنا أوقفته على قدميه.

 

يقوم السعدي بكتابة تاريخ الأردنيين ونضالاتهم ويوضح دورهم في النضال الفلسطيني والسوري، ويستعرض ثوراتهم وانتفاضاتهم الشعبية ابتداء من الانتفاضات العشائرية وانتهاء بتأسيس تنظيم الضباط الأحرار الأردنيين، مرورًا بمؤتمرات الأحزاب والشخصيات الوطنية. باختصار؛ يعيد السعدي الاعتبار لشعب يتعرض تاريخه لمحاولات إجهاض كثيرة من أطراف كثيرة. 

من جانب آخر ومكمّل، تأتي كتب المؤرخ محمود عبيدات لتغطي تاريخ العلاقات القائمة بين أبناء الأردن وبقية أبناء بلاد الشام ودور الأردنيين في النضال المشترك ضد الاستعمار، فكان كتابه "الدور الاردني في النضال العربي السوري" رائدًا في هذا الباب.

 

كما قام العبيدات بتسجيل تاريخ الشخصيات الوطنية الأردنية المعارضة والموالية عبر سلسلة كتب حملت اسم "مشاهير في التاريخ الأردني"، ويكاد أن يكون الكاتب الوحيد الذي قام بهذا العمل الفريد، فسجل تاريخ شخصيات خالدة في تاريخنا مثل راشد الخزاعي وكايد المفلح العبيدات، وكليب الشريدة وحمد بن جازي وعودة أبو تايه... الخ. 

المحزن في تاريخ هذه السلسلة أنها لم تلق دعما رسميا فلجأ الكاتب إلى الاعتماد على تمويل متقطع من أقارب الشخصيات مما فتح الباب أمام المجاملات أحيانا.

 

كما أن دور النشر العربية والمحلية لم تهتم بنشر كتبه فصدرت أكثرها عن مطابع ربحية مجهولة وفي طبعات رديئة، لكن المفارقة أنه حينما ألّف كتابا عن حياة شخصية عربية فقد صدر هذا الكتاب عن أشهر دار نشر في الوطن العربي في ذلك الوقت.

 

غير أن هذه الأمور لا تقلل من أهمية كتبه التي تبقى المصدر الوحيد الغني بالمعلومات عن شخصيات وطنية كان لها دور بارز في تاريخ الأردن.