أخبار ثقافية

تهويمات وهلوسات محمد عفيف الحسيني

محمد الحسيني

لم أظفر فيما اطّلعتُ عليه من كتبٍ ومصادر حديثة، ترجمت لعفيف الحسيني سوى إشارة مكتوبة في مستهلّ كتابه المسمّى ديوانًا شعريًا الموسوم بـ "بحيرة من يديكِ"، والمطبوع ورقيًّا، سنة 1993م، بأنه ولد في مدينة عامودا السّورية، سنة 1957م، من عائلة كردية.


عمومًا، نصّ الحسيني ينتمي إلى جنس قصيدة النثر كما يظهر للقارئ من الوهلة الأولى، إلّا أنّ الحقيقة تؤكّد أنّه يشبه كلّ شيء إلّا أن يكون قصيدة، وبالرّغم من اشتغال الحسيني على هذه اللون إلّا أنّه في الواقع والحقيقة التي لا مراء فيها، أنّه يقدم نصًّا مهشمًا ومفككًا، دون مراعاة قواعد الانسجام والتّوافق، وهو ما لا يمكنهُ أبدًا أن يعكس قصيدة النثر شكلًا ومضمونًا.


إنّ النّص عند الحسيني يتشكّل بنوعٍ من الغرابة، وبالرّغم من أنّ الغرابة غاية جماليّة في النّصوص الإبداعيّة، غير أنّ ذلك لا يعني الإغراق إلى حدّ الانغماس في الإبهام والغموض، الذي يصل إلى التّعمية، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث نفور وقطيعة مع الشّاعر والنّص من لدن القارئ.


ودون نفي الشّك القاطع، فإنّ تراكيب عفيف الحسيني لا تخلو من الاختلال والاضطراب، في لعبة لفظيّة لا مضمون ولا معنى لها، من غير مراعاة أدوات التّرابط والانسجام. والنّص الآتي يؤكد بما لا يدع مجالا للشك هذا الخلل، حيث يقول:


"أنا الكمنجات الحزينة لك
في الريح أنحني
مثلما رجال غائبون
ترتعش منهم الساعات
ورائحة أمي 
كمنجات مكسورة على قبري
ورد ذابل من يديك
رعاة يراقبون مغيب الشمس
تتلوث أصابعهم بالريح
والموسيقيين وآلاتهم الميتة
مثلي".

من الصّعب جدًّا أن نهتدي إلى المضمون وإلى ما يقصده الحسيني؛ تمامًا كما لو أننا نقرأ طلاسم وألغازًا وأحجية، بسبب اختلال التّراكيب واضطرابها. كما للقارئ أن يتساءل: ما علاقة الكمنجات بالرّيح؟


تبعا لذلك، يتضح من تركيب الجمل الذي يتضمنه النّص، الميل الواضح صوب التفكك والتشظي، طارحًا الشّعريّة جانبًا، وهذا ما يجعل النّص عبارة عن تهويم وتخبّط، الأمر الذي يسمح له أن يكون ملغزًا وفوضويًا، وهذا ما نجدهُ "في عزف منفرد"، إذ يقول:


"يقف عازف البوق ويتذكر حبيبته الصغيرة
يتذرع بالعزف لوقتنا الأسود
ينفض عن قلوبنا البرد والوحشة
وراءنا يحلق الحمام
والمطر
وكذلك الحبيبة الصغيرة".

من الممكن القول إنّ نصوص الحسيني لا تعدو أن تكون مجرد هواجس وهلوسات، وتهويم في الفراغ، خالية من الرّوح الشّعريّة، لا غير، ولكي لا نقع في شيء من الاتّهام، دونكم شاهدًا آخر على عشوائية التّراكيب، حيث يقول:


"كنا نشبه الصفصاف
نضع الحكايات على قمصاننا
فجأة دخلنا الإطارات السوداء للموتى
تبادلنا معهم الأمكنة وبرودة الزجاج
ماتت الحكايات
واصفرت أسماؤنا الزرقاء".

في النّهاية، نستطيع القول؛ إنّ النّصوص المطروحة بين دفتّي الكتاب، على أساس أنها نصوص شعريّة تعدّ نموذجًا للكتابة العشوائيّة، لا يمكن أبدًا عدّها شعرًا، بقدر ما هي خواطر وجدانيّة وعاطفيّة، وأقرب ما تكون إلى الهلوسات والتّهويمات، لهذا، ما إن ننتهي من القراءة حتّى يختلط الأمر علينا، ونحتار في تصنيف النّص، وليس من المستغرب والحال كذلك أن ينصرف القارئ عن هذا المكتوب؛ لأنّه يفتقر إلى الرّؤية والفكرة الواضحة، فضلا عن أنه يخلو من قواعد الرّبط، وللقارئ عذره في ذلك الانصراف.


المصدر:
محمد عفيف الحسينيّ: بحيرة من يديك، ط1 ـ 1993 دار أزمنة للنشر، عمّان.