تقارير

"بيت محسير" في فلسطين.. قرية تأرجحت بين المقاومة والأسطورة

"لواء هرئيل" يقصف بيت محسير بقذائف هاون 81 ملم 1948- (إنترنت)

الصور لا تكذب والوثائق والكتب المرجعية التي تحدثت عن فلسطين قبل قيام الدولة العبرية بسنوات طويلة تؤكد أن فلسطين كانت أرضا مأهولة بالسكان المتعلمين والحرفيين والمهنيين، وأن أهلها قاتلوا حتى الرصاصة الأخيرة دفاعا عن مدنهم وقراهم رغم قلة الإمكانيات وضعف التسلح وعنف قوات الانتداب البريطاني. 

ولكل قرية ومدينة وشارع في فلسطين حكاية، هذه حكاية الأمكنة في فلسطين قبل النكبة وربما قبل قدوم المستعمر البريطاني والهجرات الصهيونية المتتالية بسنوات طويلة. 

نبدأ بالحكاية الأولى في قرية بيت محسير قضاء القدس. 

قرية بيت محسير 

تقع قرية بيت محسير إلى الغرب من مدينة القدس، وتبعد عنها حوالي 26 كلم، وترتفع 588 مترا عن سطح البحر. بلغت مساحة أراضيها 16268 دونما، وتحيط بها أراضي قرى ساريس، كسلا، أشوع، دير أيوب، اللطرون وغيرها. 
 
يحيط بالقرية العديد من الخرب الأثرية التي تحتوي على جدران متساقطة، وصهاريج منقورة في الصخر، ومعصرة منقورة في الصخر، ومغر، وأبنية مربعة.

 


  
قامت المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية وتشريد أهلها البالغ عددهم عام 1948 حوالي 2784 نسمة، وكان عدد سكانها عام 1875 نحو 450 نسمة. ويقول تعداد فلسطين لعام 1922، خلال فترة الانتداب البريطاني المبكر لفلسطين، أنه كان هناك 1367 قرويا، جميعهم مسلمون.

وعلى أنقاضها أقيمت مستعمرة "بير مائير" عام 1948. وفي عام 1950 أنشئت مستعمرة "مسيلات تسيون" على أراضيها أيضا. 

 


 
لا تزال منازل عديدة قائمة في القرية إلى اليوم، مبعثرة بين منازل المستوطنة، كما أن هناك طاحونة قمح ما زالت قائمة. 

ويشرف على مساكن المستعمرة منزلان كبيران مستطيلا الشكل مبنيان بالحجارة البيض ويشتمل كل منهما على ثلاثة أقسام كبرى مريعة.  

وتمتد من الطرف الشرقي للقرية غابة برية قديمة الأشجار تكسو قمة الجبل. وتنتشر أيضا أنقاض المنازل الحجرية في الجهة الغربية للموقع ومثلها أنقاض الحيطان الحجرية المحيطة بالبساتين. 

وتشاهد أيضا بقايا مداخل كهوف كانت آهلة وآبار مهملة. وثمة منزلان مهجوران إلى الجنوب الغربي من الموقع في فناء أحدهما خزان ماء. وقد جعل الصندوق القومي اليهودي الغابات الواقعة عند مشارف القرية محمية طبيعية أطلق عليها اسم "المنطقة رقم 356" . 

سكان القرية 

وكان آخر إمام لمسجد القرية الشيخ خليل أسعد وهو خريج الأزهر الشريف، وكان في القرية مقامان فضلا عن المسجد. كما كان فيها مدرسة ابتدائية تقع في الجهة الغربية ومدرسة ثانوية في الجهة الشرقية ومدرسة للبنات أقيمت في بناء كان مستوصفا للقرية أصلا. 

وكانت القرية مبنية على الجزء الأعلى من منحدر جبلي، وتشرف من جهة الغرب على سهل ساحلي واسع. وكانت طرق فرعية تصلها بطريق القدس يافا العام، وبالقرى المجاورة لها. 
 
وكان سكانها يمارسون زراعة الزيتون في الأراضي الواقعة إلى الشمال من القرية، وفي الزراعة البعلية فاستنبتوا الحبوب والأشجار المثمرة والكرامة. وكانت الغابات تغطي مساحات واسعة قرب القرية. بين عامي 1944 و1945 كان ما مجموعه 6225 دونما مخصصا للحبوب و1348 دونما مرويا أو مستخدما للبساتين. وكانوا يتزودون المياه من نبع يقع في الناحية الشمالية الشرقية منها. وكان للقرية شكل شبه المنحرف، وتتجمع منازلها المبنية بالحجارة والطوب في أربعة أحياء منفصلة. 
 
في عام 1838، تمت الإشارة إلى قرية بيت محسير على أنها قرية مسلمة تقع في منطقة بني مالك، غربي القدس، في عام 1883، وصف مسح إحصائي لفلسطين الغربية بيت محسير بأنها "قرية ذات حجم معتدل، تقف على تلة في نهاية النتوءات العالية المطلة على التلال السفلية في الغرب.
  
مقاومة العصابات الصهيوينة 

شارك أهالي بيت محسير في عدد من المعارك خارج قريتهم دفاعا عن أرضهم من بينها "معركة واد الصرار" التي جرت في نيسان / إبريل عام 1948، حيث ذكر أن الشهيد حسن سلامة قرر مهاجمة قافلة كبيرة لليهود كانت متجهة إلى القدس الغربية التي فرضت فيها قوات المجاهدين بقيادة عبد القادر الحسيني طوقا لمنع الإمدادات عنهم وقطع الماء، وقد أوشكت القوات اليهودية الموجودة بالقدس على الاستسلام لولا تدخل القوات البريطانية وبعض العصابات اليهودية. 

وعندما وصلت القافلة إلى الموقع أطبقت عليها القوة المهاجمة وأوقعوا بها خسائر فادحة واستطاعوا الاستيلاء على كمية كبيرة من السيارات المحملة بالمؤن والإمدادات كما استولوا على كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر.
 
وفي تلك الفترة هاجم الصهاينة قرية دير محيسن واحتلوها، ولما كانت هذه القرية واقعة ضمن القطاع الغربي من المنطقة الوسطى الممتد من يافا إلى "وادي الصرار" فقد أرسل الشيخ حسن سلامة مجموعة من مناضلين يقدر عددهم بسبعين ومجموعة كبيرة من أهالي العباسية فدارت معركة طاحنة استطاع خلالها أهالي بيت محسير مع المناضلين من استرجاع قرية دير محيسن.

واستطاعوا معاودة السيطرة على طريق باب الواد أمام القوافل المتجهة إلى القدس. 

وقبل أن تقع بيت محسير تحت الاحتلال، كان رئيس قيادة منظمة "الهاغاناه" الإرهابية يسرائيل غاليلي، قد أبلغ الصندوق القومي اليهودي ضرورة إنشاء مستعمرة في موقع القرية لأسباب وصفها بـ"أمنية" لكن تنفيذ هذه الخطة استغرق بضعة أشهر، استنادا إلى وثائق استشهد بها المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس الذي ينتمي إلى تيار المؤرخين الجدد. 

وعلى الرغم من أن القرية كانت مستهدفة للاحتلال في أثناء "عملية نحشون" فهي لم تحتل إلا في النصف الأول من أيار (مايو) عام 1948.. وسقطت بيت محسير خلال "عملية مكابي" على يد "لواء هرئيل" الحديث التشكيل في إطار عصابات "البلماح".  

 



وقد ورد في كتاب "تاريخ الهاغاناه" تأليف دينور بن تسيون، وآخرون، أنه لم يتم احتلال هذه القرية بسهولة فقد هاجمها رجال "البلماح" ثلاث ليال، وتكتفي الرواية بالقول إن المحتلين عثروا فيها على غنائم غنمت من بعض قوافل "الهاغاناه" العسكرية التي كمن لها في المنطقة، من دون أن تتطرق إلى ما حل بسكان القرية. 

وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن كتيبتين من "البلماح" شاركتا في معركة الساعات الست والثلاثين. وفي أواخر آذار (مارس) عام 1948، نقلت "نيويورك تايمز" أن الجيش البريطاني احتل القرية لمدة وجيزة. فقد قاومت بيت محسير، إلى جانب قرى إشوع وعرتوف، هجوما بريطانيا بعد أن أغار العرب على مستعمرة هرطوف القريبة. 

وبحسب الصحيفة فقد تحطمت طائرة من نوع نورسمان للمساعدة في الهجوم، ويقع نصب تذكاري بأجزاء الطائرة على تلة قريبة "هار هاتاسيم". 

في عام 1992، أشار المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي في كتابه "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل عام 1948 وأسماء شهدائها" ترجمة حسني زينة، إلى أن بعض المنازل من بيت محسير كانت لا تزال قائمة في موشاف "بيت مئير"، وحدد منزلين كبيرين تم بناؤهما من الحجر الجيري أكبر من تلك التي تم بناؤها بعد عام 1948. وأشار أيضا إلى أن "بقايا مطحنة دقيق آلة معدنية ذات عجلات حذافة مثبتة على هيكل حجري، لا يزال من الممكن رؤيتها، وهناك غابة برية من الأشجار القديمة على الحافة الشرقية لموقع القرية، أعلى الجبل، وقبر العجمي، مع قبور أخرى، من بين الأشجار.

حكاية مقام العجمي 

وضمن الحكايات العديدة التي تروى عن قرية بيت محسير تأتي حكاية "مقام الولي" أو أحمد العجمي 
فقد روى Philip J. Baldensperger  في صفحة 219 في كتابه:
 The Immovable East: Studies of the People and Customs of Palestine 1913 حكاية عن العجمي الذي يوجد "مقامه" في قرية بيت محسير، ويقول الكتاب أن أراضي العجمي اختلطت بأراضي القرية، وتقول الرواية أنه قتل العديد من الحيوانات التي كانت تتواجد على أراضيه.  

وظن سكان القرية أن الأعداء هم الذين فعلوا ذلك، وذات مساء اختبأوا بأنفسهم ليعرفوا من يفعل ذلك، ورأوا الفارس الذي سألهم ماذا يريدون؟ وقالوا له: "إذا كنت العجمي، أرنا أرضك". في صباح اليوم التالي أظهر لهم حدود جميع أراضيه، ومنذ ذلك الحين، لا أحد يدخل أراضيه. ولاحقا عثر على جمل كان يتغذى على شجرة زيتون معلقا بين فروعها، وفي وقت آخر تم العثور على ابن آوى ميتا مع شمعة في فمه عند باب "المقام". وهكذا يعاقب العجمي الإنسان والوحش الذي يعتدي على أرضه أو يأخذ منها أي شيء من أرضه. روى في وقت لاحق أن العجمي "على ما يبدو مخلوق أسطوري".

ويقول Petersen  Andrew  في كتابه  A Gazetteer of Buildings in Muslim Palestine:  "إن قبر العجمي مع قبور أخرى يوجد بين الأشجار ". وبأنه قام بفحص مقام العجمي عام 1994.. جنوب شرق موقع القرية، على تلة تشكل محمية طبيعية حاليا، وقد تم التعرف على الاسم من قبل الباحث والمؤرخ توفيق كنعان الذي أكد على أنه "مقام" أحمد العجمي المسمى بالفارسي، على الرغم من أن كنعان يشك في أنه من أصل فارسي.  

لكن كنعان يؤكد كتابة:
Canaan, T. (1927). Mohammedan Saints and Sanctuaries in Palestine أنه يوجد في أنحاء كثيرة من قرى فلسطين مثل "بيت سوريك" و"بدو" و"حزمة" مقامات لأشخاص تحت اسم العجمي، ويقول إن النظرة إلى العجمي تتفاوت بين التقديس وبين التجاهل وعدم الاهتمام بوجوده.