قضايا وآراء

هوس الطاغية باللوحة الفنية

1300x600
فشل الزعيم النازي أودلف هتلر في أن يصبح فناناً من خلال محاولاته رسم لوحات رديئة، لكن ذلك لم يبعد شغفه الكبير بالفن وتشجيعه ما عرف بالفن النازي الكلاسيكي المصبوب بجنون العظمة، وفي نفس الوقت، عزز عند أنصاره الحجج ضد الفن الحديث، التكعيبي، الدادي، التعبيري، المستقبلي، الانطباعي. وأغلق النازيون الأبواب أمام كل هذه التيارات، ليس لأسباب جمالية أو فنية بل لكل ما يوحي به فن التمرد، وأنكروا وجوده أساساً بتسليط الضوء على الفن المنحط وإعلاء شأنه، ودعم الأعمال الأسطورية لمحاربين ورياضيين وإبرز العضلات التي تلوح بالأسلحة. ولخصت كل الأعمال الفنية التي تمت برعاية الدعاية النازية بأن تكون "الآرية" نقية وجميلة وطويلة وقوية وقبل كل ذلك وطنية.

تنتهج مدرسة الاستبداد العربي، بعض جوانب النزعة النازية لهوس كاذب للفن، وتتسرب الأخبار بين فترة وأخرى عن إقدام بعض الطغاة العرب في التسابق على اقتناء لوحات فنية مقابل مبالغ خيالية. فبعد فضيحة اللوحة الشهيرة "المخلّص" التي دفع ثمنها ولي عهد السعودية محمد بن سلمان نصف مليار دولار، إضافة لشرائه يخت "سيرين" من يوري شيفلر ملياردير الفودكا الروسي، الجديد هو ما سربته الصحف الروسية عن شراء زوجة بشار الأسد "أسماء" لوحة فنية بقيمة 30 مليون دولار، وقبلها كانت اقتنت قطع أثاث لمنزلها من متجر "دي إن ديزاينز" بقيمة 300 ألف يورو، عدا عن التسوق المستمر لبعض المجوهرات والأحذية من دور الأزياء الشهيرة والباهظة الثمن، في الوقت الذي يرزح فيه 80 في المئة من الشعب السوري تحت خط الفقر، عدا عن ملايين الضحايا الذي تسبب بطش زوجها في كارثتهم.

شراء اليخوت "الفخمة" بأسعار خيالية إضافة للقصور والخيول والساعات والمجوهرات والسيارات، لا يقتصر فقط على أنظمة وحكومات نفطية أو فاحشة الثراء، فهناك أنظمة في العالم العربي تعيش على مساعدات المجتمع الدولي وقروض البنك الدولي، لكن في كلتا الحالتين الشعوب تترنح تحت واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي متدهور، من الصحة والتعليم والتنمية وفساد البنية التحتية، إلى انعدام حرية الرأي والتعبير وتشديد القبضة الأمنية وصولاً لعمليات القتل والتدمير لبعض المجتمعات.

التبرير الذي تقدمه النخبة الحاكمة والطاغية، بالقول أنني شخص غني "لست فقيراً، كما لست غاندي أو مانديلا" (رد ولي العهد السعودي خلال مقابلة مع قناة "سي بي سي" الأمريكية في آذار/ مارس 2018)، هو محاولة تبرير سخيفة، كأن يقول عبد الفتاح السيسي عن فساد سلطته ونظامه في صرف مليارات الدولارات على بناء قصوره الرئاسية: "آه أمال حبني وحبني وحبني كمان وكمان"، أو تجاهل الخبر تماما وإنكاره كما هو حاصل مع طاغية السوريين.

هوس الطغاة بالفن، ليس محيرا ولا ينبع من نزعة جمالية أو عصبية على الطريقة النازية، يمكن حصره فقط بداء الطاغية بالحكم ونزعته الأبدية، وحاجته للتستر خلف لوحات و قصور أو ساعات ومجوهرات وسيارات لممارسة نفخة كاذبة على شعوبه وبدونية حقيرة أمام الآخر. ملفات الفساد والخراب التي تنهش النظم المستبدة فاقعة ومهينة، ولا يصدق أي عربي طفلاً أو شاباً رجل أو امرأة ولع الطاغية بالفن، أو الرسم والموسيقى والمعلوماتية والتنمية، تكفي مشاهد تقطيع الجثث وحرقها وحطام المدن التي عزفت سيمفونية المحتلين فوقها نشازا، وتفخيم ثقافة الردح والشتم وفن التسفيه ومسلسلات الولاء للأجهزة الأمنية، وشراء الذمم والولاءات، ومطاردة المفكرين واعتقالهم وتعذيبهم وتكميم الأفواه، وتمويل الطغاة لبعضهم البعض.. تكفي كلها ليرصد الإنسان أي فن يراد له أن يزين ردهات قصور الطغاة، وأي فن مغيب على جدران الزنازين والذي رسم بأظافر المعتقلين قبل اقتلاعها، وأي قهر يراد له أن يقيم في المدن والأزقة والحواري والزنازين العربية، فقط لتبقى صورة الطاغية قوية وجميلة لكنها منزوعة الوطنية.

يختتم المواطن العربي مساءاته الحزينة بخبر يستمع له منذ شهور طويلة، مأزق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، أمام القضاء الإسرائيلي من قضية تهم الفساد له ولزوجته سارة، أجلتها جائحة كورونا إلى حين، ثم تليه أخبار جولات الطغاة التفقدية لمشاريع التفخيم الكاذب للوطن والتقزيم المستمر للمواطن، والظهور بمظهر المهتم بالفن أو الادعاء بالانفتاح ومواكبة العصر من خلال ساعة أو قصر ولوحة ويخت، فيما البشر ينظرون للبراميل والصواريخ فوق رؤوسهم، والقلوب تنفطر نحو الزنازين والقبور، فذلك يكفي هوس الشعوب بالانعتاق منكم، ولكم في "الفنان" هتلر عبرة يا معشر الطغاة.