ملفات وتقارير

كيف كشفت أزمة كورونا "عورة" الفساد في العراق؟

مريض بكورونا في أحد المستشفيات العراقية- جيتي

رغم إمكانيات العراق المالية الهائلة كونه بلد نفطي ويمتلك ثاني أكبر احتياطي في العالم، إلا أن أزمة كورونا أظهرت افتقاره الكبير للمستلزمات والأجهزة الطبية التي تساهم بشكل أو بآخر في تقليل خطر الفيروس، وإنقاذ حياة المصابين.


وكشف مسؤولون ومختصون، أن العراق يمتلك جهاز تنفس اصطناعي، ونحو 2500 سريرا مخصصة للعناية المركزة، وهي الطاقة القصوى للبلد، رغم الأموال الكثيرة التي صرفت على القطاع الصحي طيلة 17 عاما، وذلك سببه الفساد المالي والإداري الذي ضرب جميع مفاصل الدولة بعد عام 2003.


آفة الفساد


وقال مستشار سابق في وزارة الصحة العراقية لـ"عربي21" إن "الأعداد قليلة للأسرّة، والعمل متواصل لزيادتها، فهناك بناء قيد الإنشاء اكتمل منه 60 بالمئة في مدينة الطب ببغداد، مخصص للإنعاش المركز إضافة إلى مناطق أخرى في العراق، وكان هذا قبل تفشي كورونا. أما بعد اندلاع الأزمة فقد صدرت توجيهات توجيه لزيادة السعة الحالية بإجراءات مؤقتة".


وأضاف الدكتور عبد الأمير المختار الذي غادر منصبه بالوزارة قبل شهرين، أن "الطاقة القصوى للعراق حاليا بحدود 2500 سرير، لكن البلد بحاجة إلى أعدادا تصل إلى الضعف على الأقل في الأزمة الحالية لكورونا، وفي الأوضاع الطبيعية فإن العدد الحالي أيضا قليل".


وعزا المختار الأسباب التي حالت دون تأهيل البنى الصحية أو بناء أخرى جدية وتوفير الأجهزة المهمة إلى أسباب عدة، منها: الإرث القديم بسبب الحصار الاقتصادي على البلد. أما بعد عام 2003 فكانت من أكثر الأسباب هي هجرة الأطباء بعد موجات الاغتيالات، وقلة التخصيصات المالية.


لكن المستشار السابق للوزارة شدد على أن السبب الأكبر كان في مشكلة الفساد المالي والإداري المستشري بالبلد، لافتا إلى أن "الفساد معروف للجميع، أما الإداري فكثيرا ما كانت تسند المناصب الإدارية لأشخاص غير مناسبين للمواقع المهمة".


ومثل ذلك، يؤكد الأكاديمي اختصاصي المناعة الدكتور أحمد رشدي في حديث لـ"عربي21" أن "موضوع الفساد المالي والإداري طيلة 17 عاما، كان مدمرا لجميع المجالات، ومنها الجانب الصحي، والدليل على ذلك نحن لا نمتلك حتى اللحظة مستشفيات متطورة لمواجهة مثل هذه الأزمة".


وأشار إلى أن "وزارة الصحة استغلت بشكل مبالغ فيه أموال مشاريع تتعلق بالأجهزة الطبيعة والمستشفيات، وخلال أول أزمة مر بها البلد وهي تفشي فيروس كورونا، انكشف كل شيء حجم الفساد".


التدابير اللازمة


وبخصوص أهمية أجهزة الإنعاش التنفسي في أزمة كورونا، أوضح الدكتور عبد الأمير المختار، قائلا: "إذا أخذنا النسبة المئوية فإن 60 إلى 10 بالمئة من المصابين بفيروس كورونا يحتاجون إلى الدخول للانعاش المركز (التنفس الصناعي)، وأن أكثر من 50 بالمئة منهم قد ينجو من الموت نتيجة لذلك".


وأكد أنه "كلما يكون عدد أسرة الإنعاش أكثر وعدد الكادر الطبي أكثر ومدرب بشكل جيد، يساعد على مواجهة كورنا، لكن قانون التقاعد الأخير تسبب بإحالة عدد كبير من الأطباء والكوادر الصحية إلى التقاعد، وذلك سيفاقم من الأزمة الحالية، فعلى الجهات الحكومية العمل بالسرعة القصوى لإعادتهم للعمل".


من جهته، قال الدكتور أحمد رشدي لـ"عربي21" إن "العراق مثل باقي الدول لم يكن مستعدا للأزمة الحالية، كما أن الإجراءات الحكومية كانت متأخرة لمواجهة الفيروس لمدة ثلاثة أسابيع، من حيث فرض حظر التجول ورفع مستوى الوعي للمواطنين للتعامل مع فيروس كورونا".


وأضاف أن "محاولة الحكومة لتدارك الأمور لم تنجح حتى الآن ما عدا الحظر وهو أيضا حتى اللحظة لم يتسبب معرفة عدد الإصابات الحقيقية، خصوصا أن الجارة الإيران لديها ارتفاع في أعداد المصابين والمتوفين جراء الفيروس، لذلك كان على الحكومة أن تتولى إستراتيجية كشف العدو التي تكون من خلال فرض الحظر وزيادة عدد أجهزة الاختبارات التي تكشف عن الفيروس".


تزايد بالإصابات


وحول الأعداد الحقيقية للمصابين، أكد اختصاصي المناعة أنه "لا يوجد عدد مصابين حقيقي نعرفه حتى الآن، وكأن موضوع الفيروس أشبه بجبل الثلج، بمعنى نعرف 10 بالمئة منه والـ90 بالمئة المتبقي غير معلوم بالنسبة لنا، وبالتالي فإن الأيام المقبلة ستشهد زيادة في عدد الحالات".


واستند رشدي على ذلك بالقول: "الدليل أن الحكومة العراقية أعلنت، الجمعة، عن نحو 100 إصابة بعدما افتتحت مختبرا جديدا للكشف عن كورونا، وهذا يعطي انطباعا أنه كلما نعمل اختبارات أكثر كلما تظهر لدينا إصابات أكثر".


وشدد على أن "العراق لا يعاني فقط من أجهزة التنفس الصناعي والمعقمات والكمامات وغيرها، وإنما لدينا نقص في الكادر الطبي والمحافظة عليه، وربما قد نشهد إصابات في الكوادر الطبية لأن الضغط عليه كبير نسبة إلى أعدادهم القليلة".


ولفت رشدي إلى أن "هذا الفيروس قد يكون في موجته الأولى، وربما نشهد في موسمي الخريف والشتاء المقبلين موجة أخرى، لأن العراق لا يمتلك قاعدة بيانات صحيحة يمكن أن يستند عليها في مكافحة المناطق التي ينتشر فيها الفيروس، لأن تقليل خطورته تتركز في مجموعة عمليات واحدة تكمل الأخرى".


وكان وزير الصحة العراقي جعفر علاوي، قد أعلن في مقابلة تلفزيونية، أمس السبت، أنه "طالب وزارة المالية بتوفير 5 مليون دولار، إضافة إلى تبرع المصارف العراقية بالتنسيق مع البنك المركزي في دعم الوزارة، وأن أموال المتبرعين وزعت بين المحافظات لتوفير الأجهزة والمستلزمات الطبية وتحسين وحدات الإنعاش فيها".


وقبل ذلك، كشف مدير عام دائرة الصحة العامة بوزارة الصحة رياض عبد الامير، الثلاثاء الماضي، عن امتلاك العراق نحو 500 جهاز تنفس اصطناعي في عموم مستشفيات البلاد إذا ارتفعت الإصابات فإن التداعيات مخيفة، مبينا وزارة المالية رفضت طلبات خلية الازمة بشأن الصرف العاجل.


ووصلت أعدادا المصابين في العراق بفيروس كورونا إلى 547 حالة، أما أعداد الوفيات فقد ارتفعت إلى 42 شخصا، في حين تماثل 143 للشفاء منذ بدء أزمة تفشي كورنا وحتى اليوم الأحد، وفقا للإحصائيات الرسمية.