ملفات وتقارير

استقالة مهاتير تقود ماليزيا لتحالفات جديدة.. وخيارات متعددة

كان من الملاحظ تقريب مهاتير لأزمين علي نائب أنور إبراهيم- جيتي

قطعت استقالة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد، الاثنين، التكهنات حول موعد تسليم السلطة إلى أنور إبراهيم، بحسب ما تم التفاهم عليه إبان تشكيل "تحالف الأمل" صاحب الأغلبية في الانتخابات البرلمانية عام 2018.


وضم تحالف الأمل أربعة أحزاب رئيسية، وهي: حزب عدالة الشعب بزعامة أنور إبراهيم 50 مقعدا، وحزب أبناء الأرض بزعامة مهاتير محمد 26 نائبا، وحزب العمل الديمقراطي (داب) 42 نائبا، وحزب الأمانة 11 نائبا.


وبموجب تفاهمات تشكيل التحالف، كان يتوجب على مهاتير تسليم رئاسة الوزراء إلى أنور إبراهيم بعد عامين من استلامها.

 

وشهدت علاقة الرجلين (مهاتير وأنور) منحنى متعرجا، وصلت من اعتبار أنور الساعد الأيمن لمهاتير إلى اتهامه بالفساد والزج به في السجن، قبل الاتفاق على "التحالف" ومن ثم تفجر الأزمة الأخيرة بينهما. 


وأعاد ملك ماليزيا عبد الله رعاية الدين المصطفى بالله شاه، تكليف رئيس الوزراء المستقيل مهاتير محمد برئاسة الحكومة المؤقتة لحين تكليف رئيس وزراء جديد، وسط توجه مهاتير لتشكيل تحالف جديد يضم نوابا انشقوا مؤخرا عن حزب أنور إبراهيم، إضافة للكتلة المالايوية "أمنو" في ائتلاف الجبهة الوطنية المتحدة (الحزب الحاكم السابق).

دوافع الاستقالة

 

وعن دوافع مهاتير للاستقالة، يقول رئيس مركز أسيا والشرق الأوسط، محمد مكرم بلعاوي، إنه ومع اقتراب موعد تسليم مهاتير رئاسة الوزراء لأنور إبراهيم، كان أمام خيارين إما تسليم السلطة، وإما أن يخضع لضغوط خصوم أنور في الدولة العميقة التي "ترفض أن يكون أنور رئيسا للوزراء".

وبالاستقالة، قرر مهاتير الخروج من "عدم الوفاء بالتعهد"، بحسب بلعاوي الذي يرى أنها "جاءت بعد سلسلة إجراءات نفذها مهاتير منذ اليوم الأول لاستلامه للسلطة، بهدف تقريب كتلة المالايو (أمنو) والحزب الإسلامي (باس)"، كما قال في حديثه لـ"عربي21".

 

اقرأ أيضا: مهاتير محمد يقدم استقالته للملك الماليزي

واستطاع مهاتير أيضا "شق صف حزب عدالة الشعب، من خلال إخراج أزمين علي نائب أنور إبراهيم برفقة 11 نائبا من الحزب"، وفق بلعاوي.

ومن وجهة نظر بلعاوي، فإنه من المرجح أن يفضي المشهد السياسي إلى "تحالف يضم كلا من حزب "أمنو" الحاكم السابق مع إخراج العناصر فاقعة الفساد من المعادلة مثل نجيب عبد الرزاق (رئيس وزراء ماليزيا 2009-2018)، والحزب الإسلامي "باس"، مضافا إليهما حزب أبناء الأرض والمنشقين عن حزب أنور إبراهيم".

ويتوقع أن يبقى "مهاتير محمد على رأس السلطة خلال المرحلة المقبلة"، منوها إلى أن هذا السيناريو يلقى قبولا وسط الكتلة المالايوية الأساسية (المسلمين)، أما غير المسلمين (الذين يؤيدون أنور) فسيكون أثرهم محدودا، لأنهم يسعون إلى تثبيت الاستقرار الاقتصادي"، على حد قوله.

استبعاد أنور

 

وتستهدف "المناورة السياسية" التي نفذها مهاتير "استبعاد أنور شخصيا"، بحسب بلعاوي الذي أشار إلى أن "المشكلة في أنور نفسه وليست في حزبه".

ويوضح: "الدولة العميقة في ماليزيا تعتقد أن أنور مقرب أكثر من اللازم من الغربيين والأمريكيين، ومن وجهة نظرهم فإن ذلك يمكن أن يقوض سيادة الدولة".

وعلى الصعيد الداخلي، يرى معارضو أنور أنه يسعى إلى "تقويض مميزات العرق المالايو المسلم، الذي كفل له الدستور مميزات إضافية عن باقي الاثنيات (الصينيين والهنود)، في مجال الوظائف العامة والحكومية والتعاقد مع الدولة والمنح والبعث الدراسية وامتلاك الأرض والمنح السكنية، كل هذه المميزات يمكن أن تلغى إذا تولى أنور منصب رئاسة الوزراء وتبنى فكرة المواطنة المتساوية".

تفاقم الخلاف

ووفق الكاتب والباحث نور الدين الكواملة، فإن بوادر الأزمة السياسية ظهرت عقب تكهنات بصعوبة تسليم السلطة لأنور، وكان من الملاحظ تقريب مهاتير لأزمين علي نائب أنور، خاصة في قمة كوالالمبور المصغرة خلال كانون الأول/ديسمبر الماضي، في ظل غياب أنور عن القمة.

ومع حالة الجدل التي تصاعدت في البلاد حول تسليم السلطة، أشار الكواملة في حديثه لـ"عربي21" إلى اجتماع عُقد الجمعة الماضي (قبل قرار الاستقالة)، تم فيه مواجهة مهاتير وطُلب منه التصريح باستعجال تسليم السلطة لأنور، قبل قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي "إيبك"، المزمع عقدها في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل".

 

اقرأ أيضا: مهاتير محمد يحدد موعد تخليه عن منصبه لأنور إبراهيم

ويضيف: "في الاجتماع، قوبل طرح تسليم السلطة بالرفض من قبل قيادات بحزب أنور إبراهيم أبرزهم نائبه أزمين علي، بحجة أن طريقة التحدث مع رئيس الوزراء كانت غير لبقة وغير مناسبة".

وبسبب المشادة في اجتماع الجمعة، بات تحالف "الأمل" مهددا بالتشتت، وأعقبته اجتماعات متفرقة لأعضاء البرلمان حملت تكهنات بإقدام مهاتير على تشكيل تحالف جديد، وتغيير جغرافيا التحالفات داخل البرلمان، لكنه تقدم بالاستقالة في قرار فاجئ الجميع" وفق الباحث الكواملة.

سيناريوهات متعددة

وتوقع الكواملة ثلاثة سيناريوهات موضوعة أمام الملك الماليزي ليختار أحدها في ظل الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد.

الخيار الأول: أن يقوم باختيار أي شخصية من البرلمان، ويكلفه بتشكيل حكومة مؤقتة حتى انتهاء فترة السنتين القادمتين للبرلمان.


ووفق التوقعات فإن اختيار الملك سيقع على أنور إبراهيم في هذه الحالة.


لكن لو نظرنا إلى خارطة التحالفات الجديدة في البرلمان فإن أي حكومة سيشكلها ستقابل بالرفض، ما يعني حدوث فراغ دستوري حتى تشكيل حكومة جديدة.


الخيار الثاني: أن يكلف رئيس الوزراء المستقيل مهاتير محمد بتشكيل حكومة مؤقتة تستمر لمدة سنتين. وهو الخيار الأنسب، لأن كل المؤشرات تدل على أن مهاتير لا زال يتمتع بأغلبية أعضاء البرلمان، ما يجعل هذا الخيار الأنسب للملك.


الخيار الثالث: أن يحل البرلمان ويدعو لانتخابات برلمانية مبكرة. ما يعني فترة أطول وتضع البلد ربما في أزمة اقتصادية وسياسية، وتستغرق هذه العملية فترة تزيد على ثلاثة شهور.

ويشير إلى أن "الخيار الثاني المرجح" يلزمه "قبول استقالة مهاتير أولا"، وقبول الاستقالة تعني "إلغاء الحكومة الحالية، وإعطاء مهاتير صلاحية بتغيير كل المقاعد الوزارية، بما يتوافق مع تشكيلة التحالفات الجديدة في البرلمان".

وفي هذه الحالة، فإن مهاتير سيعود بخارطة تشكيلات الحكومة إلى ما قبل 2018، بحيث تكون أغلبية الحكومة من عرق المالايوي وأكثرهم سيكون من حزب "أمنو" الحاكم السابق باستثناء نجيب عبد الرزاق، نظرا لملفات الفساد التي تلاحقه.

ويتوقع أن يتم استبعاد أنور وزوجته (ممثلة في البرلمان) من الحكومة الجديدة، كما من المتوقع أن يشغل منصب نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الأسبق هشام الدين حسين أو وزير الداخلية الأسبق محي الدين ياسين، اللذان يحظيان بعلاقة تعاونية وسياسية متينة مع مهاتير.

واستبعد الكواملة أن يحدث صدام بين مهاتير محمد وأنور إبراهيم، موضحا أن الأخير "تعلم الدرس من الخلافات السابقة التي أودت به إلى السجن. حياته السياسية كانت توشك على الانتهاء بسبب تلك الخصومات، ولولا التحالف مع مهاتير لم يكن لديه أمل بأن يعود إلى الحكومة. لن يغامر بخصومة أخرى، فالرأي العام لا يميل إلى كفة أنور الآن".


وختم بالقول: "ربما يلتزم أنور بالهدوء بانتظار انتخابات جديدة، أو الرهان على كبر سن رئيس الوزراء".