كتب

من قلب الحراك.. تطورات انتفاضة الجزائر ومبادرات الحل

نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر يؤرخ للحراك الشعبي من أجل التغيير (عربي21)

الكتاب: من قلب الحراك
الكاتب: التهامي مجوري
الناشر: م.ذ.م.م.ش.و جيغا بوكس، المحمدية- الجزائر العاصمة، أغسطس 2019 
(عدد الصفحات 207 من الحجم المتوسط)

التأريخ للأحداث السياسية الكبرى في مسار الدول ليس بالأمر الهين، ولا المتاح لجميع الكتاب والمؤرخين، بالنظر إلى صعوبة الحياد بالنسبة للكتاب تجاه تحولات تاريخية هم بالأساس جزء منها. لكن وبالرغم من الصعوبات المنهجية، تظل الكتابة والتشخيص والمبادرات السياسية والفكرية والدينية في المنعطفات التاريخية التي تمر بها الدول والأمم مهمة مطلوبة، ووثائق تاريخية تستحق ليس الاهتمام فقط وإنما أيضا الدراسة والتحليل.

ومع أن ثورات الربيع العربي، التي انطلقت منذ أواخر العام 2010 في تونس، قد عصفت بالنظام العربي الرسمي بالكامل، وأعادت صياغة الخارطة السياسية العربية بالكامل، فإن ما رافقها من كتابات بالتشخيص أو الفهم أو الاستشراف لا يزال دون مستوى المطلوب.

الجزائر، التي شهدت تعددية حزبية حقيقية منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، وانتخابات تعددية أفرزت فوزا ساحقا لتيار الجبهة الإسلامية للإنقاذ، تعتبر واحدة من أهم النماذج السياسية التي تحتاج للدراسة السياسية والتاريخية والعلمية، ليس فقط لفهم طبيعة التحولات التي عصفت بها منذ نجاح شعبها في هزيمة الاستعمار منتصف القرن الماضي، وإنما أيضا في مختلف مراحل بناء الدولة الوطنية، وصولا إلى حراك 22 من شباط (فبراير) الماضي.


نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين، الكاتب والباحث الجزائري التهامي مجوري، يتصدى لمهمة التأريخ للحراك الجزائري، ومحاولة فهمه من الداخل، في كتاب صدر بينما لا يزال الحراك مستمرا في نحت كيان تجربة سياسية مختلفة عن باقي تجارب التحولات التي تعرفها المنطقة العربية.

يعتبر هذا الكتاب للأستاذ تهامي ماجوري، نائب رئيس جمعية العلماء الجزائرية، والكاتب الصحفي الملتزم، أحد البواكير الثقافية للحراك، التي واكبت يومياته منذ انطلاقة الانتفاضة في 22 فبراير (شباط) الماضي بدقة والتزام، في محاولة لفهم ما يحدث في الجزائر من تجاذبات سياسية وصراعات ما تزال متواصلة إلى الآن.

الكتاب الذي قدم له الدكتور الطيب برغوث، مقدمة طويلة، تركزت حول الوضع المقلق للنخبة الوطنية، وضعف المنظومة المعرفية والثقافية، يرصد كما جاء في مقدمة الكاتب "الشهور الأربعة الأولى من الحراك، وهي تعليقات على وقائع وآراء ومواقف سياسية كانت تأتي تباعا، منبعها قلب الحراك الشعبي الذي شهدته الجزاائر، لتعبر عن آراء ومواقف لشرائح عريضة من المجتمع الجزائري كله، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار".

ويوضح المؤلف أن الحراك الجزائري "يمثل النتيجة الموضوعية ورد الفعل الطبيعي على اليأس والركود اللذين خيما على الساحة السياسية خلال السنوات العشرين الماضية (1999- 2019)، وثمرة ناضجة ناتجة عن تراكمات الانقلاب على صوت الشعب في سنة 1992"، مشيرا إلى أن "هذا الحراك هو الثالث من نوعه، بداية بانتفاضة الشعب في بداية الاستقلال عندما رأى الاخوة الأعداء يتقاتلون ويتصارعون على السلطة وكراسيها، فيما يعرف في تاريخ الجزائر بأزمة صائفة 1962 . ثم انتفاضة الخامس من تشرين أول (أكتوبر) 1988 وانتفاضة شباط (فبراير) 2019. 

غير أن القاسم المشترك بين الانتفاضات السابقة "هو عدم انفتاح السلطة على الشعب بالتهميش والتجاهل.. حتى أن "الطغيان والظلم والاستبداد بلغ مبلغا عجزت النخبة عن التصدي له ومواجهته، فانتقلت المقاومة إلى الشعب ليقاوم بطريقته التمردية، إلى أن وصلنا الى حالة الانتفاضة.

الجيش يصنع الرؤساء

ويشير الكاتب إلى نقطة جوهرية في نقاشات الساحة الجزائرية حول دور الجيش، أنه "لما عجزت الطبقة السياسية عن شق طريقها النضالي المدني، واصل الجيش طريقه في صناعة الرؤساء وتسيير الحياة السياسية، شعورا منه بأنه هو الناضج فقط ولا يوجد ناضج غيره، مما جعل الطبقة السياسية تتحول إلى ممارسة السلطة بنفس المنطق الذي يريده الجيش، وليس بالسعي في تمدين الحياة السياسية".

ويفرق الكاتب تهامي ماجوري بين انتفاضات الشعب الجزائري السابقة وانتفاضة 22 شباط (فبراير) 2019 بأن هذه الأخيرة "جاءت نتيجة لعملية إذلال قوية لجميع الجزائريين، مارستها السلطة خلال 20 سنة في ظل نظام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، بحيث وصلنا إلى مستوى كسر الثقة بين جميع الجزائريين، ولذلك تابعنا أن الحراك رفض كل من اقترب منه، من الزعماء الميدانيين ومن جميع التيارات، بحجة حماية الحراك، بينما الحقيقة أن بوتفليقة قد "فلق" كل شيء، ويئس الكل من الجميع والجميع من الكل".

 

الحراك الجزائري "يمثل النتيجة الموضوعية ورد الفعل الطبيعي على اليأس والركود اللذين خيما على الساحة السياسية خلال السنوات العشرين الماضية


وحاول المؤلف قراءة أهم شعارات ومصطلحات الحراك، عبر تحليل المضمون، وقد وجد أن من بين أهم الشعارات شعار "ترحلوا قاع" (ترحلوا كلكم)، وشعار "كليتو لبلاد يا السراقين"، و"ماكاش انتخابات يا العصابات"، "دولة مدنية ماشي عسكرية"، و"باديسية نوفمبرية" (باديسية نسبة إلى الشيخ ابن بادس وتوجهه الإصلاحي، ونوفمبرية نسبة إلى ثورة تشرين ثاني/ نوفمبر ضد الاستعمار)، و"باديسيون لا باريسيون"، و"فخامة الشعب"، بينما أشار الكاتب بالتحليل إلى مصطلحات برزت بقوة في هذا الحراك، مثل "العصيان المدني"، "القطيعة"، الجمهورية الثانية"، المجلس التأسيسي وغيرها.

إشكالية التحذير من الإسلاميين

تناول المؤلف، فزاعة التحذير والتخويف من الإسلاميين المستمرة منذ عقود في الجزائر، مشيرا إلى بعض النخبة من الإعلاميين الذين كتبوا صراحة أن نتائج الرئاسيات المقبلة في الجزائر هي بين حتميتين "إما فوز الإسلاميين وهذا يرفضه كثير من الرأي العام، وإما التزوير وهذا أيضا يرفضه الكثير من الرأي العام" متسائلا أي الكثير أولى بالاعتبار؟

 

إن الاسلاميين في الجزائر بٍرأي الكاتب سيفوزون بأي انتخابات نزيهة "ومع ذلك لا أظن أن إسلاميا واحدا يقتنع بأن يحكم وحده،


وأكد المؤلف أن القراءة المتفحصة لهذه الحملة ضد الإسلاميين تفيد أن الديمقراطية تفرز الإسلاميين حتما، ولا يفيد معهم إلا التزوير أو الانقلاب عليهم كما وقع في سنة 1991.. مشيرا "ومع أني مقتنع من أن الإسلاميين لا يرغبون في الحكم وحدهم، مراعاة للظروف الدولية، وحفاظا على البلاد من أي تدخل خارجي، فإن المستهجن من نخبنا الفاسدة والمرتزقة، هو هذا التخويف والتحذير المحشو بالكذب والتزوير والحقد الدفين على الإسلاميين".

إن الاسلاميين في الجزائر بٍرأي الكاتب سيفوزون بأي انتخابات نزيهة "ومع ذلك لا أظن أن إسلاميا واحدا يقتنع بأن يحكم وحده، ولو أعطاه الشعب كل أصواته، وهذا ليس استهانة بقوتهم ومكانتهم وقدرتهم على التسيير، وإنما لأنهم يؤمنون بأن مشروعهم تحرري كامل لا تقبل به المعادلة الدولية".

هل خسرت الجزائر طالب الإبراهيمي رئيسا؟

يتناول الكاتب في جزء آخر من الكتاب، قضية شغلت الرأي العام الجزائري كثيرا خلال أسابيع الحراك المتتالية، وهي ترشيح الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي، الوزير السابق للتربية والإعلام والخارجية،  كرئيس توافقي لمرحلة انتقالية، سواء بالتعيين للاشراف على مرحلة تعيد السلطة للشعب، أو كمترشح للرئاسيات، خاصة وقد رفع الحراك اسمه عاليا في التظاهرات.

 


ومن منطلق معرفته بالدكتور الابراهيمي، يقول المؤلف: "الرجل يتمتع بأخلاق سياسية عالية، لم يحد عنها منذ شبابه إلى اليوم، فمن يقرأ كتابه (رسائل من السجن)، وهي الرسائل التي سجل فيها آراءه السياسية ومواقفه، وهو في سن العشرينات، يلاحظ أن تلك الآراء هي نفس الآراء وذات المواقف المسجلة في كتابه (الأزمة والحل) الصادر في تسعينات القرن الماضي، وهو في سن الشيخوخة، بحيث لا يلمس المرء فرقا جوهريا إلا في الأيام والأحداث والأشخاص".

لقد عاش الدكتور طالب الابراهيمي بحسب المؤلف "الأحداث السياسية في البلاد، كضحية النظاالاستبدادي، في بداية حكم بن بلة وفي العهد البوتفليقي، حيث سجن في بداية الاستقلال على يد زبانية بن بلة، وحرم من تأسيس حزب سياسي من قبل زبانية بوتفليقة، وتجرع مرارة التضييق بعد ذلك بحيث أجبر على الاعتزال ، كما ظهر كفاعل سياسي بثقافته وقيمه التي رضعها مع لبان أمه في عهدي الرئيسين هواري بومدين والشاذلي بن جديد".

ووجه المؤلف نداءه للإبراهيمي بصفته رجل الواجب الوطني، مشيرا إلى أن رفضه للأصوات التي تناديه "يعد تخليا عن أهم واجب وطني مهما كانت المبررات، فعندما تمد الجزائر لك يدها، لا يجوز لك لأن تتردد وإلا نسخت جميع قيمك التي تبنيتها طيلة حياتك وعملت بها في مسارك السياسي والعملي".

مبادرات للحل


ويتناول الكتاب في أجزائه الأخيرة، طرح المبادرات السياسية لحل الأزمة الجزائرية والتعليق عليها، وقد تناول الكتاب مبادرة الدكتور طالب الإبراهمي ورسالته الثلاثية التي أثارت ضجة كبيرة في 19 أيار (مايو) 2019 مع الحقوقي علي يحى عبد النور، والجنرال المتقاعد رشيد بن يلس، تحت عنوان "نداء من أجل حل توافقي"، لكن بعد أن تمت قراءتها بسلبية من شباب الحراك، أعاد كتابة رسالة ثانية بعد ثلاثة أيام منفردا، أعادت للدكتور بعض الذي خسره في رسالته الأولى.

أما مبادرة جمعية العلماء المسلمين، التي أثارت بدورها ردود فعل عاصفة، خاصة بعد تبنيها لفكرة المرحلة الانتقالية، على الرغم من اشتراطها أن يقود تلك المرحلة رجلا توافقيا هو شخص الدكتور طالب الأبراهيمي، إلا أن كم النقد والهجوم عليها فاق التصور، لأن جزء من الحراك اعتبر ذلك تناقضا مع الطرح الدستوري الذي يتبناه الجيش.

كما تناول المؤلف مبادرات أخرى مثل مبادرة كنفدرالية النقابات الجزائرية، ومبادرة المنتدى المدني للتغيير، إضافة الى ندوة أحزاب المعارضة للخروج من الأزمة.

من قلب الحراك.. رؤية شاملة

يكاد الكاتب يركز في مجمل ما كتبه على فكرة مركزية، وهي ضرورة تجاوز الحل الدستوري الذي يتمسك به الجيش، على اعتبار أن تبني الحل الدستوري بحذافيره "انطلاقا من المادة 102، وما انبنى عليها من إجراءات، لا تستجيب لمتطلبات الواقع السياسي، بل ربما تزيد الأمر تعقيدا وتعفنا"، معتبرا أن "التعلق بظاهر الدستور لا يحل المشكلة، لأن طبيعة المشكلة سياسية ولا تحل الا سياسيا".

ويتطرق الكاتب في تفكيكه لحركية الشارع الجزائري، من مميزات وضحها في: النضج الشعبي، ومستوى الوعي الذي وصل اليه، وفي سلمية الحراك وانضباطه، ومستواه الحضاري الذي قل نظيره، وفي مرافقة الجيش الجزائري للحراك، دعما للخيار وحماية لسيادته، على خلاف ما وقع في 1991/1992 حيث استدرج الجيش للقيام بدور مضاد لخيار الشعب.

ويقدم الكاتب رؤيته ومقترحاته للحل، من خلال اختيار شخصية توافقية لقيادة مرحلة انتقالية بين 3 و12 شهرا، تكون مهمته الإشراف على انتخاب رئيس جمهورية، ومن ثمة استقالة الحكومة وإنشاء حكومة تصريف أعمال، وإنشاء هيئة للإشراف على الانتخابات ومراقبتها. وإنهاء المرحلة الانتقالية بانتهاء مهمة الرئيس أو الهيئة المعينة، بانتخاب رئيس جديد على الأقل، من غير إشعار الشعب بأن هناك مرشحا للسلطة، كما هي العادة في كل مناسبة، بحيث تتقدم بمرشحيها على قدم المساواة.

وينهي المؤلف كتابه، بعد نشر وثائق تتعلق بمبادرات الحل التي أطلقتها جمعية العلماء المسلمين والدكتور طالب الإيراهيمي، بالتعبير عن تفاؤله الذي بناه على جملة من المعطيات، منها أن الحراك حقق مكاسب سوف تدخل في ثقافة الجزائريين السياسية، وسوف تتوارثها الأجيال الجزائرية لاحقا قيما جديدة أخرى فتدخل قاموسها السياسي والثقافي والاجتماعي، وتعتادها لتصبح بعد ذلك من قيمها الثابتة. 


كما أنه يبني تفاؤله على تمسك الجيش بالابتعاد عن السياسة ولو شكليا، وظهور طبقة جديدة من الناشطين الشباب تبشر بالخير من حيث إنها مبرأة من جميع أشكال الصراع التي كانت في الأجيال السابقة .