قضايا وآراء

ثورة 25 يناير.. كانت وستظل فريضة شرعية وضرورة بشرية (2)

1300x600
ذكرت في المقال الأول التأصيل الشرعي لكون ثورة الخامس والعشرين من يناير فريضة شرعية لما أثمرته من فوائد عظيمة للشعب المصري والمنطقة كلها، وهي قدرة الشعب على إسقاط الأنظمة المستبدة الفاسدة، كما حدث في 2011م، وكذلك أظهرت هذه الثورة العظيمة من الذي يقف حجر عثرة أمام تقدم الشعب وأمام عزته ونهضته، ويرفض أن يكون للشعب الحق في اختيار من يحكمه. فبعدما أفرزت ثورة الخامس والعشرين من يناير رئيسا وبرلمان ودستورا بإدراة شعبية خالصة، انقلب العسكر على محرجات هذه الثورة.

واليوم أقول إن استمرار ثورة الخامس والعشرين من يناير ضرورة بشرية؛ لأن هذه الثورة أجابت على أسئلة أربعة تهم كل البشر في مصر والمنطقة كلها، وهي: من نحن؟ وماذا نريد؟ ومن عدونا؟ وما هي الأدوات المستخدمة من أعدائنا؟

أما الإجابة عن السؤال الأول (من نحن)، فنحن شعب يطمح إلى الحرية والعدل والتنمية التي ينشدها كل مصري يعتز بدينه ووطنه وهويته. فهذه مقاصد عُليا للشريعة، عبر عنها الصحابي الجليل الذي تربى على الفهم الصحيح للإسلام، وهو رِبْعِىُ بن عامر - رضى الله عنه - عندما ذهب مبعوثاً الى رستم قائد جيش الفرس وسأله ماذا تريدون؟ فقال ربعيُ: ابتعثنا الله لنخرج من شاء من عِبادة العِباد إلى عِبادة رب العباد، فهذه هي "الحرية"، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فهذا هو "العدل"، ومن ضيق الدنيا إلى سعة لدنيا والآخرة، فهذه هي "التنمية".. ولم يقل له إلى سعة الآخرة فقط، فلم تكن ثورة المصريين في الخامس والعشرين من يناير لهواً أو عبثاً أو ضرباً من الجنون، أو لا يعي الشعب فيها ما يريد والطريق إلى ما يريد.

وهنا تأتي الإجابة على السؤال الثاني (وهو ماذا نريد؟).. نُريد أن نكون مثل كل شعوب الأرض، نختار من يُدير شُؤوننا ويُسير أمورنا، ونحاسبه إن أخطأ ونعزله إذا انحرف، وذلك عن طرق الآليآت الدستورية والقانونية والانتخابية التي تحكم البلاد، بما يؤدي إلى الحياة الطيبة الكريمة التي يسودها الحق والعدل والحرية.

وهنا لا بد من الإجابة على السؤال الثالث (وهو من عدونا؟).. إن ثورة الخامس والعشرين من يناير ومخرجاتها أوضحت بما لا لبس فيه أن عدونا هو المشروع الصهيوأمريكي؛ الذي يريد أن يسيطر على المنطقة كلها ولا يسمح فيها للشعوب بأن تمتلك زمامها وإرادتها وحريتها وقرارها؛ لأن في ذلك خطر على وجوده، فالمنطقة إذا امتلكت قرارها وأمرها سوف لن تكون تابعا ذليلا لهذا المشروع، ولكن ستسعى إلى تحقيق عزتها وسيادتها ومصالحها التي تريدها شعوبها.

وقد كشفت ثورة الخامس والعشرين من يناير بعد الانقلاب، بمخرجاتها من رئيس وبرلمان ودستور، هذا الوجه الحقيقي للمشروع الصهيوأمريكي وأدواته في المنطقة؛ التي لا تريد لنا سوى التبعية الذليلة.

ثم تأتي هنا الإجابة على السؤال الرابع المهم (ما هي أدوات الأعداء في مواجهته لإرادة الشعب المصري؟).. أقول: إن الأداة المستخدمة في ذلك هو الحكم العسكري على مصر وليس الجيش؛ لأنه لا يمكن لأي أمة أو دولة تريد أن تتقدم وأن تعيش في أمن وسلام بدون جيش وطني مهني محترف؛ يقوم بدوره في حراسة البلاد.. هذا الحكم العسكري هو ما يرفضه الشعب، ولذلك كان الهتاف موفقاً حينما هتف الشعب "يسقط يسقط حكم العسكر" (وليس يسقط الجيش).. هذا الحكم العسكري هو الأداة التي يستخدمها الأعداء وعملاؤهم المحليون والإقليميون في تحقيق أهدافهم وتأمين مصالحهم، ومنع الشعب من امتلاك إدراته وقراره وتحقيق نهضته في جميع المجالات، ولذلك سكتوا على جرائمه في حق الشعب، بل ودعموه في إهداره لحقوق الإنسان التي يتشدقون بها.

ويقوم هذا الحكم العسكري بتوظيف أذرعه المختلفة، من سياسيين فسدة وإعلاميين مجرمين وعلماء سوء وقضاة زور ومفكرين وأدباء وفنانيين وغيرهم، فهم كتروس في ماكينة كبيرة تدور لمصلحة العسكر، ومن يعملون لحسابه من أعداء هذا الشعب وهذه الأمة، ويشاركون في هذه الخيانة للشعب ولطموحه ورغبته في أن ينال حريته وقراره ويمتلك زمامه. ولكن ما زال الأمر لم ينته بعد.. وكما قيل: "من يُغَالبِ الله يُغْلب"، ودوام الحال من المحال. وقد جرت سنة الله أن الباطل زهوقا.. "سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا" (الأحزاب: 62)... "ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا" (الإسراء: 51).