بورتريه

لورنس العرب.. محتال كبير ومهندس "الخديعة الكبرى" (بورتريه)

لورنس العرب
لورنس العرب
هل هو مجرد أسطورة صنعتها "هوليوود" عبر فيلم المخرج ديفيد لين "لورانس العرب"، ومن بطولة بيتر أوتول الذي هو الآخر صنع أسطورته ونجوميته من خلال دوره في الفيلم الذي أنتج عام 1962؟

هل تعمد تضخيم دوره في الفترة التي أعقبت "اتفاقية سايكس بيكو"؟ وهل كان مجرد فني متفجرات كلف بالتواجد داخل القوات العربية في مهمة استشارية لا أكثر؟!

البعض اعتبره كاتبا كبيرا، بينما يرى آخرون أنه في أفضل الأحيان يمثل علامة هامشية على الأيام الأخيرة من الإمبراطورية البريطانية.

حياته انتهت في منتصف العمر في حادثة دراجة نارية بعيدا عن الجزيرة العربية التي شهدت "الخديعة الكبرى" التي ارتكبها بحق رفاقه العرب.

اسمه يرمز لـ"الخديعة" التي تعرض لها العرب من قبل الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين (اتفاقية سايكس بيكو) ، الذين عقدوا اتفاقا سريا لتقسيم الشرق الأوسط، بطريقة تتجاهل تماما تطلعات وأماني أهل المنطقة من العرب، الذين ثاروا ضد الدولة العثمانية.

لكن السينما التي تفضل إضافة رؤيتها ورتوشها، أظهرته في واحد من أشهر المشاهد في تاريخها، بعينيه الزرقاوين الحادتين وثوبه الأبيض المتموج، جاثما وراء كثيب رملي ومن خلفه جيش من العرب.

وما هي إلا لحظات حتى يقترب القطار، فيفجره لورنس عن بعد، ولا يبقي منه شيئا. ثم، في واحدة من تلك المشاهد الكلاسيكية، وإثر صيحة "تعالوا، اتبعوني أيها الرجال"، يقفز لورنس من فوق الكثيب، ليوجه إشارة إلى الجيش العربي بأن يلحق به، وفقا لمقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية.

وكان لورنس، بدعم من الحكومة البريطانية، قد وعد العرب بدولة مستقلة خاصة بهم بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وهذا هو السبب الذي دفع العرب إلى الانحياز إلى جانب البريطانيين في القتال. إلا أنه في عام 1916 تحديدا، كان الفرنسيون والبريطانيون قد أبرموا فيما بينهم اتفاقا سريا لتقسيم الشرق الأوسط.

وكانت اتفاقية "سايكس بيكو" التي رسمت بخطوط طويلة مستقيمة تارة ومائلة تارة أخرى، حدودا في الرمال، وضعت بموجبها سوريا ولبنان تحت سلطان الإدارة الفرنسية، بينما وضعت فلسطين والأردن ومنطقة الخليج والعراق تحت سلطان الإدارة البريطانية.

ولما سربت أخبار هذه الصفقة إلى لورنس وقع في نفسه نزاع حول ما إذا كان يتوجب عليه إخبار جنوده العرب بأنهم تعرضوا للغدر من قبل البريطانيين، وأنهم لن يحصلوا أبدا على الدولة التي كانوا يضحون بحياتهم في سبيلها.

وفي النهاية قال: "كان لا بد من أن أنضم إلى المؤامرة، وأن أطمئن الرجال العرب"، مؤكدا لهم أنهم سينالون جائزتهم، "فالأفضل لنا أن نفوز بدلا من أن نخسر، حتى وإن نكثنا بوعدنا".

وتشير صحيفة "الغارديان" إلى أنه "لعله لم يدرك حجم الخديعة في اتفاقية سايكس بيكو حتى أعلن عنها رسميا إثر نشر تفاصيلها في هذه الصحيفة ذاتها (الغارديان) في تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 1917، ولكنه كان يعلم ما يكفي لأن يدرك أنه كان يضلل أصدقاءه العرب".

ولد توماس إدوارد لورنس الشهير بـ"لورنس العرب" في عام  1888، لأم من أسكتلندا وأب من إنجلترا. انفصل والده عن زوجته الأرستقراطية المتسلطة الليدي تشابمان بعدما وقع في حب خادمته سارة (والدة توماس لورنس).

عاش لورنس طفولة تتسم بالرفاهية والنعومة، وألحقه والده بمدرسة أكسفورد الثانوية ليلتحق بجامعة أكسفورد بعد ذلك.

أرادت أسرة لورنس أن تعيش في جو ملتزم بالتقاليد المسيحية رغم العلاقة غير الشرعية بين الأب والأم، وأظهر لورنس ولعه بدراسة علم الآثار والتاريخ، ولما لاحظ فيه أبوه ذلك اصطحبه معه في زيارته لباريس لمشاهدة الحفريات والآثار المدهشة.

التحق بجامعة "أكسفورد" عام  1908، وفي تلك الفترة أظهر إعجابه بشخصية نابليون بونابرت الذي كان معروفا بقصر قامته مثل لورنس، فاهتم بدراسة الهندسة والاستراتيجية العسكرية وبحث في التاريخ العسكري.

اقترح لورنس على أستاذه العالم الأثري هو غارت، أن يقوم بزيارة لمنطقة الشرق لأنها مشهورة بحضاراتها وحفرياتها، وقام بالإعداد لرحلته بتعلم بعض قواعد اللغة العربية التي تساعده على التواصل مع الآخرين.

سافر لورنس على سفينة منغولية متجهة إلى الشرق في حزيران/ يونيو عام 1909، ورست السفينة على شواطئ بيروت لتبدأ رحلته الاستكشافية.

في العام التالي حصل على بكالوريوس العلوم من "أكسفورد"، وفي هذه الأثناء كان لورنس يتحدث اللغة العربية بطلاقه مثل أهل المناطق العربية وتحديدا لهجة أهالي حلب.

وما إن أنهى دراسته حتى اشتعلت الحرب العالمية الأولى، وأعلنت الدولة العثمانية الحرب على إنجلترا، وسعت إنجلترا في الاستفادة من إمكانياتها في المنطقة العربية لتحقيق نصر في الحرب، فقام السير غيلبرت كلايتون باستدعاء لورنس بعدما ذاع صيته كعالم آثار، إلى مكتبه بمقر القيادة العليا للجيوش البريطانية في القاهرة. وأمر بتعيين لورنس في قسم الخرائط، ومن بعدها قام كلايتون بنقله إلى قسم المخابرات السرية، وكان لورنس يحفظ المواقع التركية عن ظهر قلب، ما ساعد الإنجليز كثيرا.

استغل لورنس علاقاته بالعرب لإيهامهم بأنه يريد مساعدتهم لمواجهة "الغطرسة" التركية، وقد ساعدته معرفته باللغة العربية في إضافة مصداقية لمساعيه في هذا الشأن.

انتقل إلى الجزيرة العربية ليقف على حقيقة "الثورة العربية الكبرى" المشتعلة ضد الأتراك بقيادة الشريف حسين بن علي.

تقابل لورنس مع الأمير عبد الله الابن الثاني للشريف حسين، وطلب لورنس من الأمير عبد الله أن يأذن له بالتجول في البلاد، ليقف على حقيقة الوضع ويرفع به تقريرا للقيادة العامة في القاهرة. وبعد موافقة الشريف حسين على الهاتف، أرسل الأمير عبد الله خطابا لشقيقة الأمير علي ليرافق لورنس ويضمن سلامته.

استخدم لورنس الزي العربي للتنقل في الجزيرة العربية وتحدث العربية على أنه عربي من حلب.

وجد لورنس في الأمير فيصل النجل الأكبر للشريف حسين، الشخصية التي يبحث عنها، فتباحث معه في وضع الثورة ونجاحاتها وإخفاقاتها، وتبين له أن الهجوم الأول للثوار على المدينة المنورة قد فشل نتيجة استخدام الأتراك للأسلحة الحديثة، وخصوصا المدافع التي أثارت الرعب في نفوس العرب لجهلهم بها أو كيفية استخدامها.

كان لورنس شديد الإعجاب بالشعور الوطني لدى النفوس المتمثل بالقومية العربية والبعيد كل البعد عن النزعات العقائدية، وأدرك أن الثورة التي يقودها الشريف حسين ثورة عربية قومية وليست إسلامية.

وقررت القيادة البريطانية إعادة إرسال لورنس إلى الجزيرة العربية ليكون بجانب الأمير فيصل، ويعمل مستشارا له، ويتحمل مسؤولية اتخاذ القرارات.

من هنا بدأت خطة جديدة لاستقطاب شيوخ وزعماء القبائل والعشائر العربية وضمها في صفوف الثورة، فذهب إلى زعماء القبائل بصفته مبعوث الأمير فيصل وتحت حراسته، يتفاوض معهم، حتى استطاع إقناعهم بوقف الحروب فيما بينهم والانضمام للثورة.

كان من هؤلاء الذين أعلنوا تأييدهم للثورة جعفر باشا والزعيم المعروف نوري الشعلان والشيخ عودة أبو تايه.. بعد ذلك عرض لورنس على الأمير فيصل ضرورة احتلال العقبة لإنهاء وجود الأتراك في هذا الميناء الحيوي.

وقد تطلع لورنس في هذه الأثناء لدور أكبر في فلسطين، داعما فكرة الوكالة الصهيونية العالمية في أطماعها لإقامة "وطن قومي لليهود" في فلسطين.

واعتمد لورنس على حرب العصابات، فقام بتنفيذ الكثير من عمليات زرع الألغام على خطوط السكة الحديدية التركية، وجنى من هذه العمليات انتصارات كبيره ساعدته على تثبيت اسمه.

اتجه لورنس بنفسه إلى درعا للاستيلاء عليها وحيدا، فوقع في أيدي الأتراك الذين لم يعرفوا شخصيته، وأوهمهم لورنس بأنه شركسي ولكنهم أصروا على أن يمثل بين يدي ناهي بك الحاكم التركي، ونجح في أن يتحرر من قبضة الأتراك وعاد كما كان، ولكنه كان محملا بخيبة أمل الهزيمة التي تعرض لها في درعا، وكان يخشى من مواجهة الجنرال اللنبي المتغطرس، المنتصر.

بعد عودته، علم أن اللنبي نجح في احتلال القدس عام 1917، وأنه يريد مقابلته في اليوم التالي، فاتجه لورنس إلى مقر القائد العام اللنبي في القدس، حيث اتفقا على ضرورة زيادة دعم الأمير فيصل باعتباره القائد القادم للثورة، وهو ما دفع اللنبي إلى التعهد بتحمل كافة نفقاته وأرسل إليه مع لورنس مبلغ ثلاثمائة ألف جنيه وجمالا محملة بالمؤن.

كانت رؤية لورنس هي أن الهدف الأساسي أمامه طرد الأتراك من الجزيرة العربية وهيمنة القوات البريطانية والتمهيد لمشروع "الدولة اليهودية" الذي صاغه ثيودور هرتزل، ووعد به آرثر جيمس بلفور وزير خارجية إنجلترا في عام 1917 في ما يعرف بـ"وعد بلفور".

ونجحت الثورة، وانتهت بعد تنصيب فيصل ملكا على العراق والأمير عبد الله ملكا على الأردن.

عاد لورنس إلى إنجلترا، وفي عام 1920، بدأ في تأليف كتابه الشهير "أعمدة الحكمة السبعة" حتى أنهاه في عام 1925، ليلتحق بعدها وتحت اسم مستعار بسلاح الجو الملكي.

والواقع أنه عانى كثيرا من الضغط العصبي جراء الحياة الصعبة التي عاشها، وخصوصا بعدما أصبح مطلوبا من العرب المعارضين لثورة الشريف حسين بين علي، وانكشاف أنه عميل للمخابرات البريطانية.

وفي عام 1934 تلقى إنذارا بقرب إعفائه من سلاح الجو الملكي، ما أصابه بانهيار عصبي.

وقضي لورنس بقية حياته في كوخ في شمال مدينة بوفينغتون. وفي عام 1935 توفي عن 46 عاما بعد سقوطه من على دراجته النارية التي كان يقودها بسرعة كبيرة في محيط مدينة أكسفورد وهو عائد إلى البيت من مكتب البريد، في حادث قيل إنه كان مفتعلا.

دفن في مقبرة موريتون بعد تشييعه في جنازة مهيبة حضرها شخصيات سياسية وعسكرية مهمة ورموز للمجتمع البريطاني الأرستقراطي، مثل ونستون شرشل، وشيّد تمثال نصفي له أمام كاتدرائية القديس بول في لندن.

وظل لورنس أعزب، ويروي بعض المؤرخين أنه كان مثليا، ويستدلون على ذلك من علاقته مع صبي بدوي يدعى سليم أحمد، كان قد رثاه في قصيدة. ويعتقد البعض أن إهداءه المبهم "إلى س.أ" في صدر كتابه الشهير "أعمدة الحكمة السبعة" هو لسليم أحمد، رغم أنه ادعى لاحقا أنه وضع الإهداء على نحو عشوائي، وأن الحرفين (س.أ) لا يحملان أية دلالة فعلية.

في عام 2014 تم العثور على بقايا مخيم لورانس السري في منطقة نائية بصحراء الأردن على مقربة من الحدود مع المملكة العربية السعودية، وتمت عملية الاكتشاف بفضل خريطة كانت بحوزة طيار سابق في سلاح الجو الملكي البريطاني كان قد رسمها عام 1918، أشار فيها إلى موقع مخيم لورنس.

لورنس كان يستخدم المخيم السري الذي عاش فيه ما بين عامي 1917 و1918 كقاعدة انطلاق لحرب العصابات ضد القوات العثمانية وقطع إمدادها، وهي التي قادت إلى نصر قوات الثورة العربية الكبرى.

هل كان لورنس يعاني نوعا من الاضطراب الداخلي، وانقسام الولاءات الذي مزقه (نفسيا)؟

وفق الكاتب المسرحي البريطاني هوارد برينتون؛ هل حقا بقي يشعر بالذنب لأنه خدع رفاقه العرب، ولم يمتلك الجراءة لمصارحتهم بما كان يخططه لهم، وبأن الأطماع اليهودية بدولة في فلسطين كانت أحد أهداف بريطانيا من خلال دعمها للعرب ضد تركيا؟!

لورنس، مقارنة بما يجري في الوقت العربي ليس شبحا أو خيالا من الماضي، إنه جزء من حاضر لا يزال يتكرر، فنتائج "الخديعة الكبرى" تمثلت في قيام "إسرائيل" وفي الحدود المصطنعة بين الدول العربية، تلك الحدود المتغيرة واللزجة.

لا تزال "سايكس بيكو" تحكم المزاج العربي، ولا يزال ظلهما يلقي بظلاله على العواصم العربية الغارقة بالدماء وفي الفوضى، ولا يزال لورنس يتكرر عبر أكثر من دبلوماسي غربي يعيد إنتاج "الخديعة الكبرى" لكن بمقاربات وبصيغ أخرى.
التعليقات (2)
احمد محمدشديفات
السبت، 28-05-2016 03:04 م
تعليق على تعليق ان كان ما سبق تآمروا فما أنت فاعل الآن يا سوبر مان،فاهم رجالات الثورة والثوار تأكل النار بعضها وسلموا كل الديار
الزاوي
السبت، 21-05-2016 11:27 م
لا يلام الذئب في عدوانه # اذا كان االراعي عدوا الغنم من الاجحاف بمكان ان نعلق كل مئاسينا على الغير،نعم كانت هناك مؤمرة بين الفرنسين والبريطانيين لتقسيم تركة الرجل المريض والذي اطلق على الخلافة العثمانية انذاك .لكن كل ذلك راجع الى رجالات العرب في ذلك العصر فمن الشريف حسين ،الى ال سعود الذين خرجوا على السلطان العثماني ،ورضوا بفتات دول بعدما وعدوهم بدولة عربية كبرى،وما زالت المؤمرات على قدم وساق.فالرضى بكيان صهيوني على ارض فلسطين،الى المساهمة في احتلال العراق،والتاءمر على باقي الدول العربية الاخرى . ان ابلغ كلام ماقال الله تعالى:(ان الله لا يهدي كيد الخائنيين)،فمحال ان يستقم امر العرب خاصة والمسلمين عامة اذا لم يراجعوا انفسهم ويستشيروا شعوبهم على مصائرهم .والله المستعان..