قضايا وآراء

ما الذي يدفع إسرائيل وتركيا لاستعادة العلاقات بينهما؟

مأمون أبو عامر
1300x600
1300x600
جاء كشف القناة العاشرة الإسرائيلية عن اتفاق بين إسرائيل وتركيا على إعادة العلاقات بين البلدين ليسلط الضوء على جهود إعادة العلاقات بين البلدين، منذ المواجهة الكلامية الشهيرة في دافوس بين أردوغان والرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس، بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة في عام 2009، والاعتداء الإسرائيلي على السفينة مرمرة 2010، ومن يومها وضعت تركيا ثلاث شروط رئيسية من أجل تحسين العلاقات، حيث حافظت تركيا على خط متشدد في الخطاب تجاه الحكومة الإسرائيلية وسياستها تجاه قطاع غزة، ولا سيما العدوان الأخير على غزة 2014. إلا أن المفاوضات كانت بعد ضغوط أمريكية من الرئيس أوباما منذ مارس 2013 خلال زيارة أردوغان إلى أمريكا، لدفع الطرفين الحليفين للولايات المتحدة لتحسين العلاقات بينهما في ظل حالة الاضطراب في الإقليم، ويبدو أن الجهود قد أثمرت في تلك الفترة قبل حرب 2014 حيث أعلن أردوغان لوسائل الإعلام الأمريكية في أبريل 2014 أن اتفاقا على تطبيع العلاقات بين البلدين مرة أخرى قد يوقع خلال أسابيع. إلا أن الحرب أجهضت هذا المسعى في حينها.

لكن هذه الجهود عادت مرة أخرى بعد أن كلف نتانياهو مستشاره للأمن القومي يوسي كوهين بمتابعة الملف حيث اجتمع كوهين شخصيا مع أردوغان لتسوية الموضوع، إلى جانب تكليف مبعوث خاص إلى تركيا وهو مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلي السابق يوسي شخنبرغ، ثم دوري غول مع مدير عام وزارة الخارجية التركية " فرينول سنورلو".

هذه المفاوضات بقيت متعثرة وتراوح مكانها إلى أن تم الإعلان عن توصل إلى الاتفاق. فما هي الدوافع الحقيقية التي دفعت الطرفين للتوصل إلى هذا الاتفاق الآن وما تداعيات ذلك؟ . 

أولا: دوافع الجانب التركي. 
 - تصاعد التوتر في العلاقات الروسية التركية على خلفية التدخل العسكري الروسي في سوريا، الذي بلغ ذروته بعد إسقاط تركيا الطائرة الروسية، وما تبعه من إجراءات عقابية اقتصادية ضد تركيا من روسيا، وخشيت تركيا من إقدام روسيا على استخدام الغاز كسلاح للضغط على تركيا في ظل اعتماد تركيا على الغاز الروسي بنسبة 50% من احتياجاتها، مما سيعرض تركيا لأزمة اقتصادية خانقة، وبالتالي فإن تركيا تبحث عن بديل ليوفر احتياجاتها من الغاز، ولا يوجد أفضل من إسرائيل بالنسبة للأتراك ولا سيما ان بإمكان تركيا أن تجلب الغاز الإسرائيلي من قبالة الشواطئ الإسرائيلية عبر الأنابيب من حقل لفتان. 

- حاجة تركيا إلى خفض مستوى التوتر مع إسرائيل في ظل التحديات الإقليمية التي تواجهها الدولة التركية خاصة في سوريا والعراق ومع روسيا، وقلق تركي من دور إسرائيلي في دعم الأكراد في شمال سوريا لتشكيل كيان كردي في المنطقة، ولذلك فهي تسعى إلى تحييد الموقف الإسرائيلي.أو من خلال ممارسة اللوبي الصهيوني داخل الولايات المتحدة ضغطا على الحكومة الأمريكية لصالح مساعدة الأكراد في تركيا وسوريا، الأمر الذي ترى فيه تركيا تهديا خطيرا على أمنها وبالتالي فإن علاقة أفضل مع تل أبيب سيخفف من حدة هذه الضغوط.

- موافقة إسرائيلية على الاعتذار للأتراك على مقتل 9 مواطنين أتراكا في عملية الاعتداء على السفينة مرمرة. واستعداد إسرائيل دفع تعويضات للمواطنين الأتراك، حيث رصدت مبلغ 20 مليون دولار لهذا الغرض.

- تخفيف إسرائيل من إجراءات الحصار المفروض على قطاع غزة خاصة سماح الجانب الإسرائيلي بإدخال المساعدات التركية إلى غزة، ونقل الجرحى خلال الحرب 2014 ساهم بشكل كبير بتخفيف الموقف التركي كأحد أهم الشروط.

- رغبة تركيا في تأدية دور الوسيط في الموضوع الفلسطيني، خاصة بعد فشلها وقطر في موضوع التوصل إلى تهدئة خلال الحرب على غزة عام2014.

- تراجع الأوضاع الاقتصادية في تركيا بسبب الاضرابات الإقليمية والأزمة الاقتصادية في روسيا، وحاجة تركيا إلى المحافظة على مستوى عال من التبادل التجاري مع إسرائيل حوالي 5 مليار $، وكذلك رحلات الطيران التركي لنقل السياح الإسرائيليين التي انخفضت من 8 طائرات يوميا إلى 2 طائرتين بعد الحرب.

ثانيا: الدوافع الإسرائيلية. 
- ترى إسرائيل فرصتها لتوصيل الغاز إلى تركيا عبر خط أنابيب يمكن أن يتم الاتفاق عليه مع الأتراك لسد حاجات تركيا من الغاز أو تقليل اعتمادهم على الغاز الروسي، أما من جهة أخرى فيمكن أن تستفيد إسرائيل بتمديد هذا الخط باتجاه الاتحاد الأوروبي عبر الأراضى التركية الأمر الذي تدعمه واشنطن، مما سيقلق كلا من روسيا وإيران اللتين تسعيان إلى استخدام الأراضي التركية لإيصال الغاز من هذه البلدان إلى السوق الأوروبية.

- رغبة إسرائيل بتأدية دور في الاستفادة من خط النفط من وسط آسيا إلى سواحل تركيا، لنقله عبر الأنابيب لإسرائيل لإعادة ضخه إلى دول جنوب شرق آسيا الصاعدة اقتصاديا.

- التحديات التي تواجه كلا من مصر وإسرائيل في تنفيذ اتفاق الغاز من إسرائيل إلى مصر بعد إعلان الشركة الإيطالية إيني في مطلع سبتمبر 2015، عن اكتشافها لأكبر حقل غاز في المنطقة بالقرب من السواحل المصرية يقدر بحوالي 30 ترليون متر مكعب. الذي كان له تداعيات سلبية مباشرة مما أدى إلى انخفاض قيمة الأسهم لعدد من شركات الطاقة الإسرائيلية في بورصة نيويورك وتل أبيب، حيث قدرت الخسائر بمليارات الدولارات.

- دوافع اقتصادية؛ فقد سجل حجم التبادل التجاري ارتفاعا بين البلدين قبل الحرب في 2013 وصل إلى حوالي 5 مليار $ مقارنة ب 3,5 في عام 2012، مما يدفع الجانب الإسرائيلي إلى توسيع هذا التعاون في ظل تراجع نسبة النمو الاقتصادي في الأعوام السابقة.

- حاجة إسرائيل للدور التركي في تثبيت التهدئة في غزة نظرا لعلاقاتها مع حركة حماس، ولما قد تؤديه تركيا في أي ترتيبات محتملة في موضع التهدئة في غزة. 

وعليه، فإن المشهد الإقليمي يشهد حركة سريعة في الاصطفافات الإقليمية طبقا للمصالح وعلى رأسها النفط والغاز ؛ ولذلك فإن حاجة تركيا للغاز سيشكل رافعة لتحسين العلاقات التركية – الإسرائيلية، ومدخلا لتركيا لتحييد إسرائيل في الموضوع الكردي، مما قد يؤثر على تفاعل تركيا مع الملف الفلسطيني، في ظل التحديات التي تواجهها تركيا في علاقاتها مع روسيا وعلى الساحة السورية.

أما بالنسبة لما ذكرته المصادر الإسرائيلية من أن تركيا وافقت على طرد القياديين من حركة حماس الموجودين على أراضيها، فهو إعلان من الطرف الإسرائيلي، وهذا يتناقض مع استقبال أردوغان اليوم لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل في اسطنبول، ويؤكد أن تركيا بالرغم من التحديات التي تواجهها لازالت متمسكة بالورقة الفلسطينية، وليس من السهل التنازل عنها مما قد يثير حفيظة مصر إن سمحت إسرائيل لتركيا بتعزيز الدور التركي في الملف الفلسطيني خاصة في غزة، مما قد يؤثر بشكل سلبي على العلاقات المصرية الإسرائيلية.



التعليقات (0)