كتاب عربي 21

أزمة الدينار الليبي

السنوسي بسيكري
1300x600
1300x600
وصل سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار والعملات الصعبة الأخرى خلال الأيام الماضية معدلا غير مسبوق منذ إصداره. فقد تخطى سعر صرف الدينار الليبي انخفاضا المعدل الذي بلغه في أواخر ثمانينيات القرن الماضي حيث بلغ سعر صرف الدولار في السوق الموازية يومها نحو 3.3 دينار ليبي بعد أن كانت المعادلة عكسية تماما خلال عقد السبعينيات ومطلع الثمانينيات.

ترافقت أزمة الدينار الليبي خلال الثمانينيات ومطلع التسعينيات مع تراجع إنتاج النفط الليبي وتراجع سعره، وكانت احتياطيات البلاد قد تراجعت بشكل كبير بسبب سياسة تأميم القطاع الخاص وهيمنة الدولة على النشاط الاقتصادي إنتاجا وتوزيعا الأمر الذي رفع سقف الميزانية العامة بشكل كبير خاصة بند المرتبات.

أزمة الدينار الليبي اليوم تتقاطع مع أزمته الماضية في بعض أسبابها ومنها تراجع إنتاج النفط وتراجع سعره في الأسواق العالمية، مع التنويه أن تراجع سقف الإنتاج تعلق في الأزمة السابقة بالسياسة الخارجية المصادمة التي تبناها النظام السابق والتي أدت إلى انسحاب الشركات الأمريكية من سوق إنتاج النفط الليبي وأيضا استهلاكه، أما تراجع سقف الإنتاج اليوم فله علاقة بالصراعات الداخلية ونفوذ القوى المسلحة.

سعر صرف الدينار بلغ خلال الأسبوع المنصرم نحو 28 سنتا للدينار (3.65 دينار للدولار)، وهو على أي حال ليس التعبير الحقيقي عن الأزمة وعن أسبابها، فتوقف إنتاج النفط تماما فترة الحرب الأولى عام 2011 وتوقف النشاط الاقتصادي بشكل كبير أيضا لم يؤد إلى انهيار الدينار حيث لم يتعد سعر صرف الدولار في السوق الموازية آنذاك 1.9 دينار وذلك للأسباب التالية:

- أنه لم يحدث تداول وبيع وشراء للعملات الصعبة عند السعر الأعلى المشار إليه إلا في إطار ضيق ومحدود.

- أن ارتفاع سعر صرف الدولار والعملات الصعبة الرئيسية الأخرى كان تدريجيا برغم مرور ما يزيد عن عام منذ توقف إنتاج نحو مليون برميل من الخام الأسود وتراجع سعر بيع البرميل بدرجة كبيرة جدا منذ منتصف العام الماضي تقريبا.

- تخوف صناع السياسة النقدية من نفاد الاحتياطيات بشكل سريع دفعهم إلى وقف مختلف أوجه صرف العملات الصعبة بما في ذلك الاعتمادات بمختلف أنواعها وقيمها المالية، والتحويلات الفردية كتلك التي تمنح للطلاب الدارسين على حساب أنفسهم وتحويلات العلاج الخاص بالخارج.

- المضاربة بالعملات الصعبة ساهمت في ارتفاع أسعارها في السوق المحلي وبالتالي تراجع قيمة الدينار.

- ردود الفعل غير المنضبطة على ما اعتباره نشطاء السبب الرئيسي في ارتفاع أسعار صرف العملات الصعبة والتباين الكبير بين أسعارها في المصارف وفي السوق الموازية هو طمع وجشع تجار العملة المحليين، ومن تلك الردود مداهمة قوة رسمية أو شبه رسمية سوق بيع العملات الصعبة والقبض على بعض من يعتقد أنهم تجار عملة.

السلطات النقدية ممثلة في المصرف المركزي الليبي تقف عاجزة أمام أزمة الدينار والتي لها ارتدادات كبيرة اقتصادية واجتماعية، ويعود ذلك إلى حذرها الشديد من نفاد الاحتياطي من العملة الصعبة في ظرف سياسي واقتصادي صعب ومنغلق ولا أفق لتحقيق انفراج قريب يسهم في عودة سقف إنتاج النفط إلى المستوى المعهود وهو نحو 1.5 مليون برميل في اليوم بحيث يسمح بتغطية النفقات العامة التسييرية والتنموية والتي تقترب في الأوضاع العادية من 50 مليار دولار.

الوضع المأزوم للدينار الليبي والذي هو من أبرز مؤشرات تردي الوضع الاقتصادي سيضاعف من الضغوط على المواطن الذي يحس اليوم آثار هذه الأزمة من خلال الارتفاع الكبير في أسعار السلع باعتبار أن أكثر من 80% من استهلاك الليبيين مستورد ويعتمد على سعر العملات الصعبة بشكل أساسي. 

وتضاعف أزمة الدينار الليبي من حجم التحديات السياسية والأمنية أمام الأطراف الرئيسية المعنية بالتوافق وتشكيل حكومة وطنية، وهي مسألة من الواضح أنها تغيب عن إدراك الأطراف المعنية، وفي حال إلمامهم بها فإنهم بالقطع لا يدركون مدى خطورتها.
التعليقات (0)