مقالات مختارة

انكشاف الإعلام المصري

عبد الله السناوي
1300x600
1300x600
الإعلام المصري خسر سمعته بين مواطنيه على نحو لا يمكن إنكاره..

لا أحد في المحيط العربي يتحدث عنه بتقدير، ولا أحد في العالم ينظر إليه باحترام..

لم يحدث في التاريخ المعاصر كله أن تراجعت الثقة العامة فيه إلى هذا الحد..

نحن نتحدث عن مدارس كبرى تنهار ومنارات إشعاع تتصدع وقوة ناعمة تنعى أطلالها..

هذه رسالة سلبية إلى المستقبل فانكشاف الإعلام أسلاك عارية تصعق بدلا من أن تنير..

التشهير بأية قيمة والحط من شأن أي رأي أول تجليات الانكشاف..

وقد سحب من الإعلام مهنيته وموضوعيته فضلا عن احترامه..

كان الصمت على انتهاك حرمة الحياة الخاصة وحملات اغتيال الشخصية من مقدمات الانهيار الكبير..

مع تضييق المجال العام علا الصراخ من فوق منابر الفضائيات بوهم أنه يمكن أن يملأ الفراغ..

بحسب عبارة للأستاذ «محمد حسنين هيكل» فـ«أنت لا تقنع إلا بما هو مقنع»..

إنكار الأزمات من أسباب ارتفاع منسوب القلق العام وتراجع شعبية النظام الجديد..

فلا أحد يعرف ما الذى يجرى بالضبط.. أين وصلنا ولا إلى أين نتجه؟..

القضية ليست صراخا عبر وسائل الإعلام بقدر ما أن تكون هناك إجابات على الأسئلة الرئيسية التي تضغط على مواطنيه، وأن ينفسح المجال العام لتبادل الآراء وتجديد الأفكار وبناء التوافقات العامة..

هناك فارق بين الإقناع والإكراه..

ما يشبه الفراغ الإعلامي عمق من أزمة الخطاب العام..

المعضلة الأساسية أن النظام الجديد لم يعلن عن نفسه حتى الآن.. فهو واقف على أعتاب المستقبل دون أن يغادر أطلال الماضي..

في فجوة الرؤية تقدم الماضي لاحتلال الفضاء الإعلامي وتبدى نفوذ المال السياسي في التشهير بثورة «يناير» ودمغها بالمؤامرة..

دخل بعض الأمن على خط التحريض بتصور أن الانتقام من «يناير» يرد اعتباره ويثبت الدولة..

كان ذلك تصورا مقصورا وضع البلد كله أمام انكشاف حقيقي..

فالتشهير بـ«يناير» مشروع اضطراب يضفي على العنف شرعيته ويسحب من «يونيو» أحقيتها في الحكم..

التضحيات بذلت، والدماء سالت، حتى يمكن التطلع إلى مستقبل أفضل، لا أن يعود الماضي من نوافذ الإعلام بعد طرده من أبواب الميادين.. 

هذه مسألة شرعية، التساهل فيها عدوان خشن على الدستور وأي رهان على التحول إلى مجتمع ديمقراطي حر ودولة مدنية حديثة..

وكانت الضربة القاصمة بعد تضييق المجال العام شبه استبعاد السياسة من فوق خرائط الإعلام..

في كل أنحاء العالم، فإن المنوعات والتسلية من ضمن أية وجبة إعلامية متكاملة..

هذا طبيعي تماما.. فالناس تحتاج إلى الترفيه بقدر حاجتها إلى التوعية..

غير أن ما يحدث الآن على كل الفضائيات الخاصة تقريبا أقرب إلى الوجبات المسممة..

الرئيس «عبدالفتاح السيسي» استنكر أن ينسب إليه أنه وراء هذا النوع من البرامج التي تخوض في الحياة الخاصة للفنانين وتنتهك أي مواثيق شرف..

بتكوينه الشخصي فهو صادق تماما فيما يستنكر، لكنه لا يمكن إعفاء الدولة التي يترأسها من المسؤولية..

لم يكن انكشاف الإعلام مصادفة أو مفاجأة بغير أسباب..

أزمته تلخص أزمات أخرى متداخلة من حسابات المال السياسي، وتدخل الأمن فيما لا يصح التدخل فيه إلى تضييق المجال العام وحريات التعبير..

إذا كان هناك من يعتقد أن التخلص من «صداع الإعلام» والاستغراق في الإلهاء يثبت الحاضر فهو واهم.. واهم بصورة مطلقة..

الاستهتار بالإعلام كالمبالغة في أدواره..

الاستهتار يغرى بتجاهل رسائل المجتمع التي يعكسها والمبالغة تغوى بالانقضاض عليه..

مزيج من الاستهتار والمبالغة يحدث الآن..

من المثير أن نظام الرئيس الأسبق «حسنى مبارك» استهتر حيث بالغ في حكم جماعة الإخوان المسلمين..

كلاهما دفع الثمن مستحقا..

هناك مبالغة مفرطة في الدور الذى لعبه الإعلام مقروءا ومرئيا بثورتي «يناير» و«يونيو»..

في الأولى، رفع سقف الحرية بظروف صعبة.. وقد كانت بعض الصحافة، وليست كلها ولا أغلبيتها قاطرة الغضب.. لكنها لم تقد الثورة..

لم يسقط نظام «حسنى مبارك» بشجاعة الصحفيين ولا روح النقد السياسي والاجتماعي على شاشات الفضائيات على أهمية هذه الأدوار ولا بدعوات الغضب على شبكات التواصل الاجتماعي رغم إلهامها..

ما أسقط النظام الأسبق اتساع مظالمه الاجتماعية إلى حد لا يطاق واليأس الكامل من أي إصلاح داخله..

النظام سقط من داخله قبل أن تزيحه قوة الغضب العام لملايين المصريين..

هناك فارق بين أن تكون في الجانب الصحيح من التاريخ أو أن تتصور أنك التاريخ نفسه..

وفي الثانية.. قاتلت بعض منابر الإعلام وليست كلها ضد الجماعة ومشروع تمكينها.. فقد سيطرت على كل محطات التلفزيون الرسمي وكل الصحف القومية، وانتشرت كوادرها في برامج الفضائيات الخاصة.. لم يكن يخلو برنامج واحد من ممثل للجماعة يشرح مواقفها ويتصدى لمنتقديها، غير أنهم أخفقوا في مهمتهم لعجز في القدرة على الإقناع وغلبة لغة الاستعلاء والوعيد..

شيء من هذا يحدث الآن..

هذا خطر حقيقي.. فأي استعلاء بالقوة ووعيد بالسلطة خاسر مقدما..

بقدر ما تتواضع أمام شعبك فإنه يمنحك احتراما باحترام وثقة بثقة..

نظام «مبارك» وحكم «الجماعة» عملا على تطويع الإعلام كل بطريقته، لكن الجماعة بدت أقل مهارة في إدارة الملف، وأكثر توغلا في تهديد من أطلق عليهم مرشدها العام «سحرة فرعون»..

أسوأ استنتاج ممكن أن وقف «صداع الإعلام» يلغى كل قلق ويمنع أي تذمر..

إذا كان هناك من يتآمر على الحكم الحالي فليتبن هذه النظرية..

إلى أين من هنا؟

هل هناك أمل؟

الأمر يحتاج إلى حوار جدي والتزام رئاسي بإنفاذ النصوص الدستورية في بناء نظام إعلامي جديد..

وهذه مسؤولية مشتركة مع المجلس الأعلى للصحافة ونقابة الصحفيين ونقابة الإعلاميين تحت التأسيس وكل العاملين والمعنيين بملف الحريات العامة في مصر..

إذا اخترقنا الحواجز فإنه يمكن التطلع إلى إعلام جديد يليق بمصر وتاريخها يؤكد دور تلفزيونها بدلا من السعي للتخلص منه وبيع أراضيه وتصحيح بنية الإعلام الخاص الذى يكاد أن ينتحر، بزعم أن الإفراط في التسلية يجلب الإعلانات، بينما هو يخرجه من كل تأثير وحساب..

ما تحتاجه مصر أن تكون هناك قواعد ديمقراطية ومنضبطة من تلك التي تعرفها الدول المتقدمة..

أن تستدعي الحوار المفتوح لا النفي المعلن، والبحث عن الحقيقة لا التدليس عليها.. الالتحاق بعصرها لا العودة إلى الماضي..

الإعلام أهم من أن يترك للإعلاميين وأخطر من أن يتحكم فيه المال السياسي..

مصر لا تحتمل ولا تستحق إعلاما يستدعي شفقة على من ولد عملاقا في مطلع الستينيات ومن ألهم العالم العربي كله برواده وأساتذته وتقاليده ومدارسه.



(نقلا عن صحيفة الشروق المصرية)
التعليقات (5)
pearls shine
الثلاثاء، 19-05-2015 05:47 م
أستاذ ياليت من يقرء مقالك يرعوي.؟
عبدالله الفارس
الثلاثاء، 19-05-2015 03:43 م
بصراحة لا استطيع ان اقول اكثر من ( ههههههههههههههههههههههههههههههه )
عريب
الثلاثاء، 19-05-2015 01:17 م
غريب ام يصدر مثل هذا الكلام من مثل هذا الشيء ... فجميع ما يقال عن فجور الاعلام المصري ينطبق عليه شخصيا.
بازهار
الثلاثاء، 19-05-2015 11:09 ص
أنت نفسك يا عبد الله "اليساري!!!!" مجرد مظهر من نماذج السقوط . بوق أحمر ملطخ بالدم و الاسفاف و قلة القيمة و محرض قاني لزج .. "رمتني بدائها و انسسلت " ديدنكم حميعا يا صغار قنوات العار و جرائد المزابل المصرية ..
ملاحظ
الثلاثاء، 19-05-2015 07:06 ص
و أنت خسرت احترامك إن كان عندك احترام يا انقلابي. تلوم الاعلام و أنت زايدت عليهم في تقبيل أحذية العسكر