الذاكرة السياسية

عن الدين والوطنية في مواجهة المستدمرين من الجزائر إلى فلسطين (2من2)

إن الجهاد طريق شاق عسير لا يسلكه إلا المؤمنون الأقوياء عقيدة، وثقة في ثواب الله تعالى ومكافأته.. (واج)
إن الجهاد طريق شاق عسير لا يسلكه إلا المؤمنون الأقوياء عقيدة، وثقة في ثواب الله تعالى ومكافأته.. (واج)
إذا كان الزمان غير الزمان فالإنسان هو الإنسان وفريضة الدفاع عن النفس والأرض والعرض لا تسقط عنه إلى  يوم  الدين. وسنة التدافع بين الناس والحضارات والقيم تجعل دوام الحال من المحال ولو دامت  للأولين لما دانت للآخرين!؟ وأن الكيل بمكيالين في حقوق الإنسان من القائمين على مجلس الأمن المخيف هو سبب كل الخلل في المعايير والموازين وهذا الدمار المبين..

وفي تاريخ الحروب والثورات التحريرية العظمى دروس للمعتبرين وأن الذكرى قد تنفع حتى البغاة  والعصاة والطغاة فضلا عن المؤمنين!!

وبمناسبة إحياء الجزائر للذكرى  التاسعة والستين لثورة القرن العشرين بدون منازع في الفاتح  من  تشرين  الثاني (نوفمبر 1954) وربطا بما تصادفه إحياء هذه الذكرى من أحداث جسام جارية  في الساحة والساعة  الدولية عرفنا إرهاصات بدايتها ولا نعرف نهايتها بعد.. نود أن نذكر المعتبرين بدروس التاريخ الحي الذي عشناه في هذه الثورة لحما ودما وجهادا و"استشهادا" لما يزيد عن السبع سنين مماثلة  لما يراه العالم  على  المباشر يوميا من أهوال الحرب غير المتكافئة بين الحق والباطل في معركة الأحزاب الثانية في فلسطين الحالية والتاريخ بيننا يبقى دائما الشاهد الأمين على المحسنين والمسيئين والظلمة والمجرمين وأصحاب الحق المغتصب الذي لا يسترجع إلا غلابا وافتكاكا باليمين وتلك هي سنة الله في الأولين  والآخرين.

تأتي ذكرى هذا العام مشحونة بكثير من الآلام المبرحة والآمال العريضة في الوقت ذاته وهي تصادف قمة الثورة الجهادية الوريثة الشرعية لها في معركة الأقصى بشقيقتها الصغرى فلسطين.

لقد عايشت تلك  الثورة الجهادية كابن شهيد ومجاهد في صفوف جيش تحريرها حتى توقيف القتال وتقرير المصير والاستقلال وكنت شاهدا على كثير من مجرياتها المفرحة والمقرحة بورودها وأشواكها؛ بأفراحها بانتصاراتها وأقراحها بالإحباطات والتقلبات والخيانات التي اعترضت مسيرتها الطولية إلى النصر المبين!

ومن مميزاتها أن يوم انتصارها وتحقيق الاستقلال سنة 1962 كان هو يوم ذكرى الغزو والاحتلال سنة 1830 مما يعني أن كل استقلال قد يحمل بذور احتلال كما أن كل احتلال يحمل بذور استقلال إذا بقي عزم الرجال كما كان واقع  الحال.

وإدراكا مني بما للثورة الجزائية من أوجه شبه وتطابق أحيانإ مع ما يجري في فلسطين هذه الأيام، إلى درجة التوأمة (السيام) بين الثورتين وخاصة من جهة  نوعية  الاستيطان  وفصيلة المستوطنين أنفسهم  خلفا عن سلف.. والدليل على ذلك هي آلاف القوافل من شهداء  المغرب العربي الكبير  المدفونين  في القدس الشريف على مر التاريخ  الإسلامي للأمة عندما كانت أمة حرة  حتى  تحت الاحتلال الأجنبي  الخارجي (الأرحم  مع  الأسف  من  الاستحلال الداخلي  الراهن!!!!)، حيث ذهب أكثر من 4000  مجاهد سنة 1948 ودخلوا  من أرض الكنانة سابقا  لنجدة الأشقاء في الأرض المباركة التي لم تتغير في وجدان كل مسلم من المحكومين لاحقا في أمة المليارين من أصحاب العين البصيرة واليد القصيرة على امتداد سماع الآذان وتلاوة القرآن من جاكارتا  إلى داكار ونواكشوط  والرباط وتطوان مرورا بقسنطينة ووهران!؟!

وإني لهذا السبب وغيره أعيد نشر بعض فصول كتابي (جهاد الجزائر: حقائق التاريخ ومغالطات الجغرافيا)، هنا في صحيفة "عربي21"، وهو صورة حية عن جوانب مشرقة من ثورة القرن العشرين التي جسدت أمجاد الحرية والكرامة، تماما كما هو حال غزة وفلسطين هذه الأيام.. لما بين الثورتين من تطابق  وتشابه كما قلنا وعشنا في الثورة الاولى مقارنة بما نراه على المباشر في  الثورة الفلسطينية  العظيمة  الثانية التي اختصرت أمة المليارين (من غثاء السيل) في المليونين من أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والقدس وجنين.

وإنني أدرك تمام الإدراك الصلة الوثيقة بينهما في حجم التضحيات ومعارك التحرير التي يخوضها الأشقاء  الفلسطينيون هناك (كما كان أشقاؤهم هنا لأكثر من سبع سنين دون انقطاع.)  في مواجهة  أعتى احتلال وأشده شراسة، لا سيما وأنه احتلال يلتف حوله  قادة  العالم الغربي الاستعماري كله ويدعمونه انتقاما  من عدوهم اللدود على هزائمهم السابقة وإحياء لخلافات وأحقاد تاريخية دفينة..

كنا نعتقد، وأن بعض الظن  ليس إثما، أن ثورات الحرية والكرامة والسيادة والاستقلال التي عرفتها مختلف أنحاء المعمورة قد تجاوزتها الوحوش البشرية المسلحة بالنووي والحقد الأعمى في معاداة حقوق الإنسان الفلسطيني خارج  حقوق الإنسان التي يحميها حق الفيتو الظالم أمام كل أنظار العالم الأعور الأصم  الواجم.

إن الإسلام والاستعمار ضدان لا يلتقيان في مبدأ ولا في غاية، فالإسلام دين الحرية والتحرير، والاستعمار دين العبودية والاستعباد، والإسلام شرع الرحمة والرفق، وأمر بالعدل والإحسان، والاستعمار قِوامه على الشدة والقسوة والطغيان، والإسلام يدعو إلى السلام والاستقرار، والاستعمار يدعو إلى الحرب والتقتيل والتدمير والاضطراب، والإسلام يثبت الأديان السماوية ويحميها ويقرّ ما فيها من خير ويحترم أنبياءها وكتبها، بل يجعل الإيمان بتلك الكتب وأولئك الرسل قاعدة من قواعده وأصلا من أصوله، والاستعمار يكفر بكل ذلك ويعمل على هدمه خصوصا الإسلام ونبيه وقرآنه ومعتنقيه.وهذا المكيال العجيب الغريب بين إنسانين لا يثير القلق  فقط حول مصير البشرية في هذا العالم (وحيد القرن) وإنما يعيد السؤال أيضا وبالحاح عما إذا كان للمعارك الحضارية الكبرى التي سعت لتوحيد البشرية على أساس العدل والمساواة تتراجع إلى ما تحت الصفر كما نراها في مجازر المغول الجدد بالصوت والصورة  في  غزة  العزة والإنسانية التي تحتضر في مستشفياتها المنكوبة كلها  اليوم  والمقطوعة عن الحياة أمام أعين دعاة حقوق الإنسان (الحجري)  وليس الإنسان  البشري  المتحضر  المتعلم  والمتقدم!!

وما يفيد في هذه الصفحات من ثورة  الجزائر (فلسطين الأولى) الأشقاء  في الجزائر الثانية ( فلسطين  الحالية)، سأسرده ليس من باب تقديم الدروس، وإنما من باب قراءة التاريخ والاتعاظ به وأخذ العبرة منه..

الدين في مواجهة الاحتلال

لقد تفطن المحتل الغاصب إلى هذه الخطورة التي يمثلها الدين في تحريك الجماهير للجهاد والاستشهاد فأراد أن يلعب على هذا الوتر بالفعل ـ وبدأ يحاول تشويه سمعة المجاهدين، فى التشكيك في  أخلاقهم وإيمانهم وإسلامهم.. ولكن من حسن حظ الثورة أنها كانت قد تمسكت ـ قولا وعملا ـ بحبل الدين القويم قبل أن يتفطن إليه العدو ويلعب به ورقته الدنيئة، وقد فشل في ذلك فشلا ذريعا كما هو ثابت، لأنه لم يجد ثغرة دينية أو أخلاقية تسيء إلى سمعة الجهاد والمجاهدين في نظر المواطنين! فالشريعة السمحة (من أوامر ونواه) كانت مطبقة تلقائيا من طرف المجاهدين (حتى قبل التأكيد عليها في لوائح مؤتمر الصومام التاريخية) حيث نص النظام الداخلي لجيش التحرير الوطني، (في البند الخامس من الفصل الثاني) على «كل مجاهد مسؤول عن كل ما يصدر عنه من أقوال وأفعال، سيرة المجاهد الحسنة المتصفة بالأخلاق الإسلامية ترفع من سمعة الجيش وترغب في حب الثورة".

وورد في الفصل الثالث الخاص بالجزاءات والعقوبات ما نصه : "كل تهاون أو تقاعس أو غلط أو عدم احترام أخ لأخيه، يعاقب مرتكب هذه المخالفات بإنذار أو شغل شاق أو بحراسة. والعقوبات المسلطة على مرتكبي الغلطات الفادحة تصدرها المجالس العسكرية، وهذه العقوبات قد تصل إلى الحكم بالاعدام»، ونذكر من بين المخالفات الفادحة :

ـ  إفشاء السر.
ـ ضياع السلاح.
ـ كل نشاط ضار بالوحدة الوطنية أو الطاعة العامة للجيش.
ـ رفض تنفيذ الأوامر.
ـ سيرة مخلة بقواعد الإسلام.
ـ الاختلاس والاحتيال...
ـ القتل ذبحا ممنوع منعا باتا.
ـ التمثيل بالجثة ممنوع منعا باتا.
ـ تنفيذ الإعدام يكون رميا بالرصاص.

لقد تفطن المحتل الغاصب إلى هذه الخطورة التي يمثلها الدين في تحريك الجماهير للجهاد والاستشهاد فأراد أن يلعب على هذا الوتر بالفعل ـ وبدأ يحاول تشويه سمعة المجاهدين، فى التشكيك في أخلاقهم وإيمانهم وإسلامهم.. ولكن من حسن حظ الثورة أنها كانت قد تمسكت ـ قولا وعملا ـ بحبل الدين القويم قبل أن يتفطن إليه العدو ويلعب به ورقته الدنيئة
فكان التحلي بالسلوك الإسلامي الرفيع من طرف المجاهدين هو الحصن المنيع الذي حمى الثورة ورجالها من أي قدح فيهم، أو أية ثغرة تمكن المستعمر من التسلل إلى التشكيك في جهادهم وتنفيرالمواطنين منهم.

وهنا نورد ثلاث شهادات لثلاثة مجاهدين من قلب المعركة، في ثلاث ولايات داخل التراب الوطني هي على التوالي: الولاية الأولى، الولاية الثالثة، والولاية الرابعة، فيقول المجاهد يوسف اليعلاوي (الأمين العام لمنظمة المجاهدين) في شهادته مايلي:
"وليس من المبالغة في شيء القول: بأن وجود هذا العنصر (الأخلاق ) هو الذي جلب للثورة ورجالها الثقة والتصميم المطلقين في نكران الذات، وهو الذي جعل من الشعب الجزائري رجلا واحدا، ينصهر في الثورة، مستميتا من أجل تعزيزها، والسير من ورائها... وبذل أغلى ما يملك من نفس ونفيس... ومال وبنين حتى يتم انتصارها.

إن أولئك الرجال قلة في عددهم، ولكنهم أمة في ارتفاع معنوياتهم، وفي شجاعتهم وإخلاصهم وتفانيهم.
تسلحوا بسلاح الإيمان بالله والوطن، فكانوا مثالا في التفكير العبقري والسلوك الإنساني والنموذج الأخلاقي القويم...

ولولا أن كانت الثورة العارمة أخلاقا وانضباطا لما حققت على أيدي المجاهدين ما حققته من انتصار واسترجاع لسيادتهم وكرامتهم وعزة دينهم ووطنهم ولغتهم.

فكنت تجد سلوك المسؤول الأول والجندي البسيط واحدا، وكان من الصعب عليك أن تفرق بين هذا وذاك حتى في الأكل والملبس وأداء الواجب، فلا امتياز لأحد على أحد، وليست هناك حظوظ لأحد على الآخر.
بل ما يمكنك معرفته حقا: أن المسؤول يتقدم الصفوف عند الشدائد ويتأخركثيرا بعد ذلك، مسخرا ذاته وراحته من أجل إخوانه، وأن القانون الداخلي للثورة التحريرية كان يطبق بصرامة وديمقراطية وعدالة على الضابط والجندي والمدني... ويسترسل الشيخ يوسف في الإدلاء بشهادته فيقول:

"ولعل القاريء الكريم يتشوق إلى سرد بعض الأمثلة التي تبرهن عن جدية الثورة وتأثيرها وتوفر العناصر الإيجابية فيها، والتي أتذكر من بينها هذه الأحداث:

الحادثة الأولى: وقعت في الولاية الأولى سنة 1958 وكانت كالآتي: جاء المسبلون بمرأتين جزائريتين إلى المركز الذي يتواجد به جيش التحرير، بعد أن شوهدتا مع رجلين أجنبيين داخل سيارة (جنوب مدينة سطيف) متلبستين بالسكر والاختلاط غير الشرعي (وقد فر الأجنبيان بالسيارة). جاءوا بالمرأتين وبعد البحث في القضية، وقع الحكم بالاعدام على واحدة منهما... ولحظة تنفيذ الحكم عليها... التفتت لتقول :

يا عمار إني جزائرية، فأجابها الجندي المنفذ:

ـ أنت كذلك فعلا، ولكنك جزائرية "سفيهة"، جزائرية مريضة... ولهذا أوجب استئصالك من هذا الجسم الطاهر السليم...

الحادثة الثانية: (الولاية الثالثة سنة 1960). أقيم المجلس العسكري لمحاكمة أحد الضباط يدعى (سي عمر فاقر) وكان موضوع القضية الزّنا. قال رحمه الله أمام المجلس: «إنني أشعر بفداحة ما اقترفته، وسوف أكون أكثر اطمئنانا بنزاهة الثورة وقوتها إذا طبق علي قانون العقوبة الصارم، وهو الإعدام" .

والشهادة الثانية للمجاهد شعبان محرز (وهو أحد رفقاء الشهيد عميروش من سنة 1955 إلى سنة 1959) فيقول:"إن الثورة ما كانت لتنجح لولا أنها بدأت بتصفية الخونة والعملاء الذين شكلوا درعا واقيا للمحتل الغاصب، فالذين لم يكونوا يؤمنون بالله تعالى قد عملوا كل ما في وسعهم على تثبيطنا بأقوالهم وأفعالهم؛ إذ كانوا يشنون علينا حربا نفسية قذرة بقولهم: "كيف تطردون العدو ببنادق صيد العصافير؟".

وكيف تخرجون العدو المدجج بكل أنواع الأسلحة الحديثة من طيران ودبابات ومدافع وصواريخ بـ "الكحكاح"(*) !

هذا ليس إلا جزءا من الحرب النفسية التي كانت تشن ضدنا حيث كان العدو يصفنا بأننا فلاڤة وإرهابيون وخارجون عن القانون وقطاع طرق... وكنا نعمل كل ما في وسعنا لنكذب مقولات العدو وإدعاءاته حيث كانت تعطى لنا مثلا أوامر بالحفاظ على الهندام الجيد وتحليق اللحى، حتى نظهر في أحسن مظهر، بل وحتى عندما يستشهد أحدنا يوجد على أحسن هيئة...

ولكن اعتمادا على إيماننا بالله تعالى آمنا بخروج العدو من أرض الجزائر... رغم إدراكنا أننا لم نكن نحارب العدو الفرنسي وحده بل كنا نعي بأننا نحارب الحلف الأطلسي الذي قدم كل الدعم للعدو من أجل القضاء علينا:..ونحارب العملاء والخونة في الوقت ذاته.

وكان شعارنا عند قيامنا لتحرير الجزائر: "إما الاستقلال أو الاستشهاد"(2) .

إن أولئك الرجال قلة في عددهم، ولكنهم أمة في ارتفاع معنوياتهم، وفي شجاعتهم وإخلاصهم وتفانيهم. تسلحوا بسلاح الإيمان بالله والوطن، فكانوا مثالا في التفكير العبقري والسلوك الإنساني والنموذج الأخلاقي القويم...
والشهادة الثالثة للمجاهد الضابط مراد كريمي رئيس المنطقة الثالثة للولاية الرابعة حيث يقول عن التدين و أخلاق الجهاد في الثورة مايلي: "لئن كانت الثورة سلاحا، فإن أمضى سلاحها كان الإسلام..

فإن كانت الرصاصة تقتل العدو، فإن الإسلام يقتل الوهن الذي يصيب النفوس والجبن الذي يركن بها إلى الأرض، والطمع في حياة ولو كانت في ذّل وصغار...

إنّ الإسلام غرس اليقين في أناس لا يملكون شيئا من متاع الدنيا، بأنّهم سينتصرون على آخرين قد ملكوا كلّ متاعها، فاندفعوا إلى المواجهة، تحدوهم الرغبة إلى ملاقاة ربّهم و ما أعد لهم قبل رغبتهم في غلبة عدوّهم.

لقد أدرك مسؤولو جيش التحرير الوطني، قيمة هذا السلاح الروحي من البداية، فعملوا على تشبيع أفراد المجاهدين بقيمه وغرسها في نفوسهم، فكنت لا تسمع خطبة لأي مسؤول وهو يخطب في جنده تخلو من آيات كتاب الله وأحاديث رسوله الكريم، وكانت صيحة الله أكبر هي شعار كلّ شيء.

فهي المعبرة عن فرحة بانتصار في مواجهة.
وهي صرخة التعبير عن فاجعة فقدان أحد الرفاق.
وهي كلمة السرّ... وهي كلمة التنبيه من خطر محدق...
فالله أكبر...الله أكبر...

لقد كانت الثورة الجزائرية بحق ثورة إسلامية، ثورة ليست ضد الاحتلال والظلم، ولا أدل على ذلك مما احتواه بيان أول نوفمبر 1954 من مبادئ حددّت سلفا معالم الدولة الجزائرية التي ستكون بعد التحرير،و هي المبادئ الإسلامية.

أثناء الثورة لم يكن للمجاهد أن يغفل عن صلاته، في حلّه و ترحاله في كرّه وفرّه، أثناء الثورة كان يقتل كل مستهتر بحدود الله (والناس اليوم تسب الله ودينه جهارا وفي وضح النهار)".

ولقد حاول قادة الاحتلال ـ إذن ـ أن يجدوا بعض الثغرات التي تسىء إلى سمعة المجاهدين في نظر الشعب، ولكنهم لم يحصدوا إلا الفشل والخيبة الكاملة، لأن الكذب لا يثبت أمام الحق في الميدان، والميدان كان لصالح الحق وحده...كما أثبتنا بهذه الشهادات الحية من ميدان الجهاد.

ومن الوقائع الطريفة التي رواها المحاضر المذكور في هذا المجال: (أي مجال استغلال القادة الفرنسيين للدين من أجل ضرب الثورة) أن أحد الضباط الفرنسيين قد استحلف إمام إحدى القرى بناحية ميلة (في الولاية الثانية) على المصحف الشريف بأن يخبر المركز الفرنسي إذا قدم (الفلاڤة) إلى القرية! وذلك إدراكا من الضابط المحنك بما للقرآن من قدسية لدى المواطنين، ولكنه خفي عن هذا الفرنسي أن قدسية الجهاد الحق لم تكن أقل قدسية من القرآن الحق وهو ما جعل الإمام (الذي كان منزله مقرا للمجاهدين بشهادة المحاضر!) يسرع إلى منزله ليخبر المجاهدين بما وقع له مع الضابط، وأخبر ابنته بالقصة كلها لكي تنقلها إلى المجاهدين في إحدى حجرات بيته بين أهله وبخدمة ابنته، وظل يدخل ويخرج إلى بيته متحاشيا رؤيتهم وجها لوجه، معتذرا لهم عن ذلك التصرف معهم حتي لا يضطر إلى التبليغ عنهم بعد ذهابهم، لأنه لا يستطيع أن يحنث بعد أن أقسم على الصحف الشريف للضابط الفرنسي أنه سيبلغه إن رآهم!

والذي نستخلصه من مثل هذه الحالة وغيرها هو أن الإسلام كان ومازال وسيظل المرجع الأساسي لهذا الشعب في أي  مشروع أو أية سياسة يرجى لها النجاح في هذا الوطن، والذي يخلص لمبادىء هذا الدين هو الذي سيفوز حتما، وهذا ما جربته الثورة مع الشعب فنجحت بالصدق معه وليس بالكذب عليه!

ونترك للباحثين مهمة تحديد الخائنين للوطن والثورة من الذين ربتهم جمعية العلماء في مدارسها الحرة، بالمقارنة مع من نشأوا وترعرعوا في المدرسة الفرنسية برعاية الآباء البيض والسود!!

دون أن يمنعنا ذلك من الإقرار بأن رجال جمعية العلماء لم يفجروا الثورة بحكم وضعهم كجمعية لها برنامجها، واستراتيجيتها الخاصة في المحافظة على مقومات الهوية الوطنية، وتوعية الناشئة لليوم الموعود :

"يا نشء أنت رجاؤنــا          وبك الصبـاح قـد اقتـرب
 خذ للحياة سلاحهـــا          وخض الخطوب ولا تهـب
 واقلع جــذورالخائنين          فمـنـهـم كــل العطــــب
وإذا هلكت فصيحتــي         تحيــا الجزائــر والعـــرب"

ونعود مرة أخرى لتأكيد دور جمعية العلماء بالذات، في تصفية عقيدة الجهاد مما علق بها من شوائب الخرافات والانحرافات لتجدها الثورة جاهزة للتطبيق الفعال، ونقول : إذا كان للثورة الفضل على رجال جمعية العلماء في الأول، فإن هؤلاء الرجال كانوا عند حسن ظن الثورة فتبنوها عن صدق وانخرطوا في صفوفها أفرادا وجماعات، حيث ثبت أن نسبة عالية من رجال الجمعية كانوا وقودا للثورة على طول امتدادها، ومادة في سجل الخالدين في تاريخ الوطن وتاريخها، وأئمة ومعلمين للغة القرآن في السجون والمعتقلات استعدادا لمعركة التعريب التي كانوا يحضرون لانطلاقها بعد الاستقلال... لولا مخططات الاستحلال التي قلبت الأوضاع و الأحوال، وحولت الجرائم والخيانات إلى غنائم ومكتسبات!

وما من شك أن رجال الجمعية لم يحضروا للثورة (ماديا) بحكم تلك الاستراتيجية المستقبلية (التي لا نملك أهلية الحكم لها أو عليها) إلا أنهم لم يترددوا - قط - في أن يحتضنوا الثورة بكل قواهم، بعد اندلاعها، وهم وإن فاتهم شرف المشاركة في تفجيرها فلم يفتهم شرف الانفجار من أجلها، وإمدادها بأغلى ما يملكون، ولعل أحسن الأعمال خواتمها كما ورد في الحديث الشريف. ونتحدى هنا من يوجد لنا شخصا واحدا وقف صراحة إلى جانب العدو بقلمه وسلاحه من رجال الجمعية أو من أبناء معهدها ومدارسها الحرة عبر كافة أرجاء الوطن!.

فنحن لم نعلم بذلك، والذي نشهد به هو أن معظم رجال الجمعية وطلبتها كانوا وقودا للثورة، وقدوة للثوار الأحرار. وقوائم الشهداء والمجاهدين الأحياء تدل على ذلك بما لا يدع مجالا لأي شك في دور العلماء المسلمين في جهاد المعتدين دفاعا عن الوطن والدّين وتنوير إخوانهم بثقافة الوحي المبين و التمسك بحبل الله المتين، لتحقيق النصر الموعود للمؤمنين. ومما كان يحمس به رجال جمعية العلماء الجماهير المؤمنة، ويحثونهم على الجهاد والاستشهاد، نذكر على سبيل المثال هذا التوجيه الديني والسياسي لأحد العلماء المكلفين بالدعاية والتوجيه على أمواج الأثير في الثورة، وهو الأستاذ محمد الصالح الصديق حيث يقول في المعاني المتعددة للجهاد في الإسلام: «فالذي يقاوم من أجل سيادة الوطن وكرامته، حتى يكتب بدمائه المشتعلة وثيقة الاستشهاد والذي يرابط في سبيل الله، ويسهر على مصالح الجيش، والمصلح الذي يقف حياته على تنوير العقل، ومحاربة البدع، وإضاءة جوانب الحياة الكريمة، والمجدد الذي يصحح المفاهيم الخاطئة ويبعث في الأمة روح الوعي واليقظة، والزعيم الذي يقف في وجه من يقاوم الحرية ويطمس معالم الحق والخير والنور.

إن الجهاد طريق شاق عسير لا يسلكه إلا المؤمنون الأقوياء عقيدة، وثقة في ثواب الله تعالى ومكافأته،ولذلك يقول عنهم الشاعر:

هم قوم اتخذوا الشهادة بغيـــــة              لا يبتغون لدى الجهاد سواهــا
هم في حمى الإيمـان أول صخرة                فسل الصخور إما عرفن قواها
من رام تفسير الحيـــاة لقومـــه                فدم الشهيـد يبين عن معناهــا
لولا الدمــــاء تراق لم نر أمـــة                    بلغت من المجد العريض مناها    

إقرأ أيضا: عن الدين والوطنية في مواجهة المستدمرين من الجزائر إلى فلسطين (1من2)
    
التعليقات (0)