صحافة دولية

هل غيّرت فرنسا موقفها من الحرب الإسرائيلية على غزة؟

أصبحت غزة قضية يومية في فرنسا - جيتي
أصبحت غزة قضية يومية في فرنسا - جيتي
نشر موقع "فلسطين كرونيكل" تقريرا تحدث فيه عن الأسباب التي تقف وراء تحوّل الموقف الفرنسي تجاه الحرب على غزة.

وقال الموقع، في تقريره الذي ترجمته "عربي21"، إن الحكومة الفرنسية كانت قبل أقل من ثلاثة أشهر تدعو إلى تحالف - شبيه بالتحالف ضد تنظيم الدولة - ضد حماس، والآن تقول فرنسا إن إسرائيل لا تملك الحق في تحديد مستقبل غزة. 

يتمثّل الانطباع الأول في أن أكثر من ثلاثة أشهر من الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة كانت كافية لتغيّر فرنسا موقفها الأخلاقي، وبالتالي المطالبة بوقف إطلاق النار.

اظهار أخبار متعلقة



ولكن هذا ليس المبرّر الحقيقي لسببين. أولاً، لا تشكل الأخلاق قضية في السياسة الخارجية الفرنسية التي تعتمد حصريًا على المصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية والحسابات الجيوسياسية. وثانيًا، لا بد أن باريس أدركت نطاق الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، بالنظر إلى سقوط آلاف القتلى الفلسطينيين والدمار الشامل، الذي حدث مباشرة بعد إعلان تل أبيب الحرب.

ماذا كان موقف فرنسا آنذاك؟

أيدت فرنسا بقوة الحرب الإسرائيلية فور بدايتها، واستمر هذا الدعم بلا هوادة حتى بعد أن أصبح من الواضح أن الحرب الإسرائيلية كانت تستهدف في الغالب المدنيين الأبرياء. وفي 24 تشرين الأول/ أكتوبر، زار ماكرون إسرائيل وأخبر نظيره الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ أنه يساند إسرائيل، وتعهد بتقديم "الدعم الكامل" لقصف تل أبيب لقطاع غزة.

وذهب إلى أبعد من ذلك بالإشارة إلى ضرورة تشكيل تحالف دولي ضد حماس، على غرار التحالف الدولي الذي تم تشكيله ضد تنظيم الدولة سنة 2014. وقال ماكرون لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن "فرنسا مستعدة لأن تقاتل إلى جانب التحالف، الذي يقاتل في العراق وسوريا ضد تنظيم الدولة، ضد حماس".

وهذا يعني أن ماكرون، على عكس الولايات المتحدة، التي كانت تهدف إلى الحد من التوترات الإقليمية، أراد أن يفعل العكس تماما، أي التصعيد الإقليمي على أمل تعويض خسائر فرنسا الجيوسياسية في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، من خلال الظهور كزعيم عالمي. والأسوأ من ذلك أن ماكرون وافق على التصريحات الإسرائيلية الغريبة، مثل تلك التي أدلى بها نتنياهو، والتي تقول إن "حماس هي تنظيم الدولة".

ما هو الموقف الفرنسي الآن؟

يوم الجمعة الموافق للخامس من شهر كانون الثاني/ يناير، أدلت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا بأقوى بيان من جانب فرنسا منذ بداية الحرب، إذ صرّحت قائلة "نحن بحاجة إلى العودة إلى مبدأ القانون الدولي واحترامه"، مضيفة أنه "ليس من حق إسرائيل تحديد مستقبل غزة، وهي أرض فلسطينية". وقد تزامن بيانها مع أنباء عن قيام القوات الجوية الفرنسية والأردنية بإسقاط سبعة أطنان من المساعدات الإنسانية والطبية العاجلة لمستشفى ميداني في خان يونس جنوب قطاع غزة.

كيف يمكن تفسير التحوّل الفرنسي في الموقف؟

هناك عدة تفسيرات يمكن تقديمها حول سبب محاولة الحكومة الفرنسية النأي بنفسها عن الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة والدعم الذي تقوده الولايات المتحدة لهذه الإبادة الجماعية. لعل التفسير الأول التحرك الاستراتيجي لجماعة أنصار الله اليمنية لاستهداف أي سفينة قادمة أو متجهة إلى إسرائيل، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى تعطيل حركة المرور في البحر الأحمر عبر باب المندب - أحد أكثر الممرات المائية التجارية ازدحامًا في العالم.

ويرتبط قرار أنصار الله بشكل مباشر بالإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، وهي الحرب التي دعمتها فرنسا، مثل واشنطن، بكل إخلاص. ورغم موافقة فرنسا على "عملية حارس الازدهار" التي تنفذها الولايات المتحدة - لحماية الشحن في البحر الأحمر - إلا أنها أصرت على أنها ستفعل ذلك تحت قيادتها العسكرية، وأنها لن تشارك في أي عمل عسكري بقيادة الولايات المتحدة ضد أنصار الله في اليمن. وهذا سبب مهم للغاية يمكن أن يفسّر جزءًا من التحوّل في موقف باريس، حيث تعتمد فرنسا بشكل كبير على باب المندب في جزء كبير من تجارتها مع آسيا وأجزاء من الشرق الأوسط.

ثانيا، لا بد من أخذ تحالفات فرنسا الوثيقة مع الدول العربية بعين الاعتبار. فعلى عكس واشنطن، لا تعتمد دبلوماسية باريس في الشرق الأوسط على العمل العسكري في حد ذاته، على الرغم من أنها شاركت في ما يسمى بالحرب الأمريكية على الإرهاب، والتحالف ضد تنظيم الدولة وما إلى ذلك. وتحاول باريس تقديم نفسها باعتبارها نسخة أكثر ليونة من النهج الأمريكي المتشدد في التعامل مع الدبلوماسية، من خلال بناء روابط سياسية قوية، وإظهار نهج أكثر توازنا تجاه ما يسمى بالصراع العربي الإسرائيلي. علاوة على ذلك، تحاول فرنسا في كثير من الأحيان استغلال الخلاف الإيراني العربي، بالإضافة إلى الخلاف في لبنان بين جماعة المقاومة حزب الله والقوى السياسية الأخرى الموالية لفرنسا في البلاد.

وحسب الموقع، أدت الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة بشكل لا لبس فيه، وربما بشكل لا رجعة فيه ــ على المدى المتوسط والطويل ــ إلى تمكين كل قوى المقاومة في الشرق الأوسط وتعزيز موقف إيران الجيوسياسي على حساب حلفاء باريس العرب التقليديين. ولا بد أن ماكرون قد فهم ذلك وهو يحاول التراجع عن الموقف القوي المؤيد لإسرائيل الذي تبنته حكومته منذ أكثر من ثلاثة أشهر. وحقيقة قيام فرنسا بإسقاط مساعدات طبية جوا على مستشفى في خان يونس، جنوب قطاع غزة بالتنسيق مع الملك عبد الله الثاني، توضح بشكل أكبر أن فرنسا تحاول تهدئة حلفائها، وليس بالضرورة تسجيل نقاط مع الفلسطينيين أنفسهم.

أما التفسير الثالث فهو عدم الاستقرار الاجتماعي في فرنسا، ذلك أن المجتمع الفرنسي ليس سهل الانقياد على الإطلاق، وتميل القضايا الاجتماعية والسياسية المختلفة إلى التداخل. وإذا أصبح دعم واشنطن لتل أبيب حاليا مصدر قلق كبير لإدارة بايدن في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فيمكننا أن نتخيل كيف ستكون الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة أكثر أهمية كقضية اجتماعية وسياسية داخلية في المجتمع الفرنسي.

وكثيرًا ما نظرت العديد من القوى التقدمية في فرنسا إلى فلسطين باعتبارها قضية رئيسية في نضالها من أجل العدالة والمساواة. وكانت هذه القوى نشطة للغاية في الأشهر والسنوات الأخيرة، حيث احتجت على قضايا مختلفة، بدءًا من تمديد سن التقاعد، إلى تخفيضات الرعاية الاجتماعية، إلى البطالة المتزايدة.

وإلى جانب ما يقدر بنحو خمسة ملايين مسلم فرنسي ينشطون أيضًا داخل هذه الدوائر، أصبحت غزة قضية يومية للمجتمع الفرنسي الذي لم يتوقف أبدًا عن الاحتجاج والمطالبة بوقف إطلاق النار منذ الأيام الأولى للحرب. ويدرك ماكرون أنه بسبب الهشاشة السياسية لحكومته وموقفه في الواقع، فإنه لا يستطيع تحمل إطالة أمد هذه الاحتجاجات التي يمكن أن تتطور وتتداخل مع قضايا أخرى.

وخلص الموقع إلى أن التحول السياسي في فرنسا قد يكون كبيرا إذا ظل ثابتا، وإذا تطور في الواقع إلى موقف سياسي أقوى يتجاوز القول إلى العمل. ولكن لا بد من التأكيد مرة أخرى على أن موقف الإليزيه مجرد من الأخلاق، ويقوم على المصالح فقط لا غير.
التعليقات (0)