قضايا وآراء

في الليلة الظلماء.. يُقتلُ المعارض

محمد فحص
1300x600
1300x600
في الرابع من شباط/ فبراير أضاء أهالي شهداء وضحايا تفجير المرفأ شموعا في ذكرى نصف سنة على رحيل أبنائهم، نصف سنة على تفجير بيروت الهيروشيمي وهم ينتظرون فترة الخمسة أيام التي وعدتهم بها السلطة لنهاية التحقيق، وسط معاناة انتظار بصيص أمل من هذا التحقيق الذي لن يبصر النور، التحقيق الذي سيصل إلى حائط مسدود لن يكون الأول وطبعا لن يكون الأخير.

فمع وجود طبقة سياسية كهذه في الحكم منذ ثلاثين عاما وإداراتها الفاشلة للأزمات وإيصالها البلاد إلى الهاوية، أسّس لشريعة جديدة هي شريعة الغاب، أي بمعنى آخر شريعة السلاح الذي يسيطر على كامل مرافق الدولة من شمالها إلى جنوبها. هذا السلاح بدلا من أن يحمي الوطن، حمى الفساد والفاسدين، فالمعادلة كانت كالتالي "شرعنة السلاح مقابل حماية الفساد".

قلّة قليلة من الشعب اللبناني رفضت هذه المعادلة وثارت على الفساد وسطوة السلاح، وكان سلاحهم الكلمة الحرّة والفكرة البنّاءة التي تبني الوطن، ولكن هذه الثورة هزّت جبروت زعماء الطوائف فخافوا على كراسيهم ومستعمراتهم، وقمعوا الثوار ووضعوا القوى الأمنية بوجه الثائرين. القوى الأمنية التي كان من واجبها حماية المواطن، أصبحت السور الذي يحمي الفساد، فأصبحت الثورة ثورة الكلمة بوجه الفساد، ثورة الفكر بوجه الرصاص، وحريّة التعبير التي لطالما كان يتغنّى بها اللبناني أصبحت نقمة على حاملها، ولم يدرِ بأن هذه الحرية ستوصله إلى الاغتيال والقتل.

وهذا الذي حصل مع المفكّر والناشط السياسي لقمان سليم الذي لطالما حمل الكلمة الحُرّة ورأيه البنّاء ضد هذه الطبقة السياسية، وخاصة ضد المليشيات التي تحمل السلاح، وأصر على البقاء في منزله في الضاحية الجنوبية لبيروت حيث معقل حزب الله وترسانته، وحمل دمه على كفّه وأطلق العنان لأفكاره التي ترفض وجود هذا السلاح غير الشرعي داخل الدولة، وأسّس دار نشر ومكتبة للتاريخ ورفض الطائفية السياسية؛ الطائفية التي أوصلت هؤلاء الحكام إلى الحكم ودم آلاف اللبنانيين لم يجف بعد من على أيديهم، ورغم تلقيه العديد من التهديدات أصرّ على الاستمرار.

فمعارضة ذوي القربى أشرس من أي معارضة أخرى، فلقمان المفكّر الشيعي رفض هيمنة السلاح الشيعي على الدولة، فأهل مكة أدرى بشعابها، والمعارض الشيعي يقرأ ما بين السطور ويعلم أبعاد هذه الهيمنة، ولكن للأسف في معركة السلاح ضد الفكر انتصر السلاح واغتيل لقمان ليلا في جنوب لبنان، حيث سيطرة حزب السلاح وسطوته ونفوذه. وأنا هنا لست بوارد اتهام أحد، ولكن اللبيب من الإشارة يفهم، فلقمان قبل اغتياله كان قد وصل إلى طريقة لتهريب أحد قياديي حزب الله إلى الخارج مقابل إفصاحه عن معلومات لدور الحزب في تبييض الأموال وتجارة المخدرات، فهل هذه صدفة؟

هل يجب علينا الخضوع وقبول الأمر الواقع وخاصة بغياب الدولة ورئيسها؟

هل سنشهد بعد أيام أو أسابيع خبر مصرع هذا القيادي بحادث سيارة أو مقتله في سوريا؟

بئس هذا الزمن الذي قسّم لبنان إلى دويلات وسيّس القضاء وقمع المعارضين، وهجّر خيرة أبنائه ورجاله من أجل بقاء الفساد والفاسدين. لاحقا سنقول لأبنائنا إنه ها هنا كان يوجد وطن اسمه لبنان تآمر عليه حكامه حتى دمّروه، ولكن لكل زمن دولة ورجال، ولا بدّ لليل أن ينجلي، واغتيال الجسد لا يعني اغتيال الفكرة، فالفكرة لا تموت.
التعليقات (0)