قضايا وآراء

حروب تركيا الخارجية.. وإمكانياتها

قطب العربي
1300x600
1300x600
في توقيت متزامن تخوض تركيا حربين خارج حدودها، أولاها على حدودها المباشرة مع سوريا والثانية في ليبيا، ناهيك عن حضور عسكري تركي قديم في قبرص الشمالية و"حديث" في قطر؛ عقب حصارها من السعودية والإمارات والبحرين منتصف حزيران/ يونيو 2017.

الحرب الأشد ضراوة هي بالتأكيد تلك التي تجري في منطقة خفض التوتر في شمال سورية، والتي سقط فيها 36 جنديا تركيا إثر غارة جوية على أحد تمركزاتهم الثابتة، وهو أكبر عدد من الضحايا الأتراك على مدى السنوات الماضية في معارك عسكرية. وقد تسبب ذلك في حالة غضب كبرى بين الأتراك دفعتهم لمطالبة الحكومة بالثأر العاجل والقوي، وظهر ذلك في جنازات أولئك الجنود، وفي بعض المظاهرات الشعبية التي انطلقت بشكل عفوي لدعم الجيش التركي في معركته.

لم تكن تركيا راغبة في حرب بالتأكيد، وكل ما كانت تريده هو تنفيذ اتفاق سوتشي الذي وقعته مع روسيا في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، والذي جاء لتفعيل مذكرة التفاهم الموقعة بين الطرفين في 4 أيار/ مايو 2017 حول إقامة مناطق خفض التصعيد. ونص البند الأول من اتفاق سوتشي على الإبقاء على منطقة خفض التصعيد في إدلب، وتحصين نقاط المراقبة التركية واستمرار عملها، وفي البند الثاني تعهد الجانب الروسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان تجنب تنفيذ عمليات عسكرية وهجمات على إدلب، والإبقاء على الوضع القائم، وفي وتضمن البند الثالث إقامة منطقة منزوعة السلاح بعمق 15-20 كيلومتراً داخل منطقة خفض التصعيد.

كما تضمن الاتفاق سحب جميع الدبابات وقاذفات الصواريخ المتعددة الفوهات والمدفعية ومدافع الهاون الخاصة بالأطراف المتقاتلة، من داخل المنطقة منزوعة السلاح، بحلول 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2018، وأن تقوم القوات المسلحة التركية والشرطة العسكرية الروسية بدوريات منسقة وجهود مراقبة باستخدام طائرات من دون طيار، على امتداد حدود المنطقة منزوعة السلاح، والعمل على ضمان حرية حركة السكان المحليين والبضائع، واستعادة الصلات التجارية والاقتصادية، واتخاذ إجراءات فاعلة لضمان نظام مستدام لوقف النار داخل منطقة خفض التصعيد في إدلب من خلال تعزيز مهام مركز التنسيق الإيراني- الروسي- التركي المشترك.

ما حدث على الأرض هو انتهاك سوري بدعم روسي لهذا الاتفاق أسفر عن سيطرة نظام الأسد على العديد من مناطق خفض التصعيد، ومحاصرة نقاط المراقبة التركية فيها، وهو ما استدعى ردا تركيا حازما، لأن نتيجة الصمت كانت كارثية وكانت ستسمح لقوات الأسد بإعادة السيطرة على إدلب التي تضم الآن أربعة ملايين سوري، وساعتها ستتجه هذه الملايين الأربعة إلى تركيا مباشرة، لتضاف إلى أربعة ملايين آخرين سبقوهم خلال السنوات الماضية ويمثلون عبئا كبيرا على الأوضاع السياسية والمعيشية الداخلية في تركيا.

طلبت تركيا من القوات السورية الانسحاب من مناطق خفض التصعيد (الحزام الأمني) وأمهلتها حتى نهاية شباط/ فبراير، لكنها واصلت حصارها لنقاط المراقبة التركية، واستعادة بعض البلدات. ونجحت قوات المعارضة السورية مدعومة بالقوات تركية يوم الخميس في استعادة سراقب والعديد من البلدات حولها، وبذلك تحكمت في الطرق الرئيسية. وكان رد القوات السورية المدعومة روسياً هو شن هجمة جوية مباغتة على إحدى نقاط الجيش التركي قتلت خلالها 36 جنديا، وهو ما فجر مخزون الغضب التركي الرسمي والشعبي، ودفع الجيش التركي للثأر، والرد على النظام السوري وأنصاره في أماكن مختلفة بقوة نيران كبرى استخدمت فيها الطائرات المسيرة، ولكن ذلك لم يشف غليل الأتراك بعد.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل تمتلك تركيا قدرات سياسية وعسكرية واقتصادية تؤهلها للاستمرار في هذه المعارك الخارجية؟ أم أنها تغامر بجيشها وبسمعتها؟

الحروب ليست نزهة، وهذا ما تدركه تركيا جيدا، وقد خبرت الحروب كثيرا من قبل ودفعت فيها أثمانا باهظة، ورغم ذلك يتمتع الشعب التركي بروح قتالية عالية، وبحب شديد للجندية. ويظهر ذلك عند تجنيد أي مواطن تركي في الجيش حيث تقام احتفالات لتوديعه إلى وحدته العسكرية. لكن هذه الروح المعنوية الشعبية ليست كافية لكسب الحروب، وهنا يأتي دور القدرات العسكرية للجيش التركي وهو أحد أهم الجيوش العالمية لكنه، يأتي في الترتيب بعد الجيش الروسي بالتأكيد، فما بالنا لو أضفنا للجيش الروسي الجيش الإيراني أيضا الذي يدعم النظام السوري؟

أما الوضع الاقتصادي فإن تركيا أيضا هي واحدة من الدول العشرين الأكبر اقتصادا في العالم، لكن الشعب التركي يشعر بأزمة اقتصادية يبدو مظهرها الأكبر في ارتفاع أسعار السلع وتراجع الليرة. وسياسيا تمتلك تركيا نظاما سياسيا ديمقراطيا قائما على التعدد الحزبي، وقد تعرضت الديمقراطية التركية لاختبارات عديدة منها اختبار الدخول في حرب سوريا، حيث تعرض لنقاشات سياسية وبرلمانية ساخنة انتهت بإقرار البرلمان له، وبالتالي لا يستطيع أحد أن يدعي أن شخصا حتى لو كان رئيس الجمهورية قد انفرد باتخاذ قرار الحرب.

رغم أن القدرات العسكرية والاقتصادية لتركيا ليست في وزن القوة الروسية، وخاصة إذا أضيفت إليها القوة الإيرانية، لكن أنقرة وجدت نفسها مضطرة لخوض هذه الحرب خارج حدودها، لأنها لو تخلت عن ذلك فإنها ستجد نفسها في مواجهة للمؤامرات عليها داخل حدودها. وتدرك أنقرة أنها مستهدفة من العديد من القوى التي تبدو متناقضة، مثل روسيا وأوروبا والولايات المتحدة، وبالتالي فإنها لا تجد أمامها بدا من التحرك لمواجهة المؤامرة ضدها خارج حدودها، سواء في سوريا أو ليبيا، حيث كانت المؤامرة تحاك لمحاصرتها في المياه الإقليمية في البحر المتوسط عبر اتفاقية ترسيم الحدود اليونانية الإسرائيلية.

الديناميكية السياسية التي تتمتع بها القيادة التركية عنصر مهم في هذه المواجهة أيضا، حيث إجادة المناورة، وصناعة الأحلاف، وامتلاك أدوات الضغط، وفرض وقائع على الأرض تساعد المفاوض على طاولة التسويات السياسية، ومن ذلك محاولة تجنب المواجهة مع روسيا، بل واستمرار التواصل معها سياسيا وأمنيا رغم العلم اليقيني أنها وراء الهجمات الأخيرة على جنودها، وكذا الضغط على أوروبا "المتفرجة" أو حتى "الراضية" بما جرى على الأرض السورية قبل أيام من هجمات للنظام السوري، والضغط على أوروبا جاء من خلال فتح أبواب تركيا أمام المهاجرين إلى أوروبا والذين وصل عشرات الآلاف منهم بالفعل إلى الحدود الأوروبية.

الغارة على الكتيبة التركية وقتل 36 منها منح القيادة التركية مبررا جديدا لتوسيع حضورها في سوريا، وبدلا من 12 نقطة مراقبة تضمنتها اتفاق سوتشي أقامت تركيا ضعف هذا العدد من النقاط، ولن تسمح باقتحام قوات النظام السوري لإدلب مهما كلفها ذلك من ثمن، ببساطة لأن البديل سيكون في انتقال إدلب بسكانها ولاجئيها إلى تركيا وهو ما لا تستطيع أنقرة عليه صبرا.
التعليقات (0)