بورتريه

"باشا آغا" يقود ثورة القبائل ضد الاستعمار الفرنسي

ينحدر المقراني من سلطنة بني عباس القبائلية ومن عائلة ثرية تمتلك أراضي كبيرة في قلعة بني عباس- عربي21
ينحدر المقراني من سلطنة بني عباس القبائلية ومن عائلة ثرية تمتلك أراضي كبيرة في قلعة بني عباس- عربي21
أحد قادة الثورات الشعبية في منطقة القبائل التي شهدتها الجزائر في القرن التاسع عشر الميلادي بعد الغزو الفرنسي للجزائر عام 1830، دفع وأبناء القبائل ثمنا باهظا جدا لكفاحهم ضد الاستعمار الفرنسي

ينحدر من زعماء سلطنة بني عباس القبائلية، ومن عائلة ثرية تمتلك أراضي كبيرة في قلعة بني عباس وكان يحظى بتقدير واحترام كبيرين. 

محمد المقراني هو ابن أحمد المقراني أحد حكام منطقة مجانة، ولد في عام 1815. وبعد وفاة الأب ورث ابنه محمد المقراني الزعامة مكانه ومنحته السلطات الفرنسية لقب "باشا آغا" وامتيازات أخرى.
 
يأتي لقب مقراني من الكلمة القبايلية "أمقران" وتعني "كبير" و"زعيم"، وأصبح لقب السلالة الحاكمة من 1556 إلى 1596. 

اظهار أخبار متعلقة


كان لانقلاب النظام الحاكم في فرنسا وبعد انهزام نابليون الثالث أمام بسمارك، أثره المباشر على الأوضاع داخل الجزائر والمتمثل في بروز قوة المستوطنين الفرنسيين، في التأثير على حكومة باريس، واستئثارهم بالسلطة في الجزائر، وهذا لم يرض به حاكم مجانة محمد المقراني. 

كما أن المقراني تلقى كلاما جارحا من الجنرال الفرنسي بسبب تقديمه مساعدة لأحد أصدقاء أبيه، وقد اعتبرها المقراني إهانة له ولعائلته ولسكان منطقته. كما قامت السلطات الاستعمارية بإنشاء بلدية مختلطة في برج بوعريرج عينت على رأسها ضابطا فرنسيا، وقد رأى الشيخ المقراني في هذا الإجراء تقليصا لنفوذه السياسي على المنطقة لصالح المستوطنين، وذهبت سلطات الاحتلال أكثر من ذلك بالعمل على تحطيم قيمة وقوة المقراني كزعيم سياسي.  

وفي هذه الأثناء تعرضت المنطقة إلى مجاعة وقعت ما بين عامي 1867 و1868 وراح ضحيتها آلاف الجزائريين. ودخل أيضا عامل ديني خفي حيث استغلت الكنيسة الأوضاع الاجتماعية المزرية مما اضطر الأهالي إلى ترك أبنائهم في يد الآباء البيض المسيحيين خوفا عليهم من الموت. 

ورأى أن الوجود الفرنسي بجميع تفاصيله تكريس لهيمنة الأوروبيين على الجزائريين وإذلالهم، تحت ظل المستوطنين واليهود المتجنسين بموجب قانون التجنيس الذي أصدره كريميو اليهودي. 

رمى الشيخ المقراني عصاه من يده أمام الجموع الغفيرة في منطقة مجانة، قائلا: "سنرمي فرنسا كما أرمي عصاي هذه!".

ونتيجة لجميع هذه الأسباب مجتمعة قال قائد "ثورة 1871" الشيخ المقراني مقولته الشهيرة: "أريد أن أكون تحت السيف ليقطع رأسي، ولا تحت رحمة يهودي أبدا" وعلى إثرها قرر أن يحتكم إلى السيف.
 

اظهار أخبار متعلقة


بادر فورا إلى تقديم استقالته وقام بإعادة شارة "باشا آغا" إلى وزارة الحربية الفرنسية والمتمثلة في البرنوس الخاص بها، وبدأ في عقد اجتماعاته مع رجالاته وكبار قادته، وبدأ زحفه على مدينة برج بوعريريج على رأس قوة قصد منها محارة المدينة والضغط على الإدارة الاستعمارية الجديدة. وامتدت الثورة عبر العديد من مناطق الشرق الجزائري. 

وتعتبر معارك المقراني، وأخيه بومرزاق، والشيخ عزيز بالإضافة إلى الإخوان الرحمانيين، من المعارك التي أثبتت لقادة الاستعمار توسع رقعة هذه الثورة التي لم تكن محصورة في مجانة أو البرج. 

لم يكتب له تنفيذ خطته بتوسيع مساحة الثورة فقد استشهد إثر إصابته برصاص جيش الاحتلال الفرنسي، وفي رواية أخرى قيل بأنه اغتيل على يد خادمه بمؤامرة فرنسية عندما كان يصلي. 

واستشهد معه ثلاثة من أشقائه، فحملوا ودفنوا في موطنهم قلعة بني عباس التي تقع اليوم في أقصى جنوب ولاية بجاية على حدود ولاية برج بوعريريج. 

 وفضل أخوه بومرزاق المقراني وجماعته الموت على مهادنة المستعمر فواصلوا المقاومة حتى النهاية حيث اعتقلت السلطات الاستعمارية بومرزاق عام 1872 بالقرب من قصر الرويسات في ورقلة بالمنطقة الجنوبية.  

وبإلقاء القبض عليه انتهت شعلة الثورة إلى حين، تلك الثورة التي دامت عاما كاملا تقريبا، والتي زعزعت أركان الاستعمار الفرنسي في أرض الجزائر.  

خلفت هذه الثورة قرابة 100 ألف شهيد جزائري، وانتقاما من الثوار قامت سلطات الاستعمار بمصادرة أراضي القبائل وتوزيعها على المستوطنين الأوروبيين، كما نفت آلاف الجزائريين الضالعين في الثورة إلى كاليدونيا الجديدة. 

اظهار أخبار متعلقة


وواصل الاستعمار مطاردة عائلة المقراني إلى الجنوب وتمكن من بقي منهم وعددهم حوالي 150 شخصا من التسلل للجنوب التونسي حيث استقروا في الجريد التونسي وخاصة بمدينة قفصة حيث ما زال بعض أفرادها إلى يومنا هذا. وإثر هذه الأحداث الدامية وإصدار قانون الأهالي عام 1881، ازدادت هجرة الجزائريين إلى خارج الوطن خاصة إلى سوريا. 

وتذهب مراجع كثيرة إلى ربط اندلاع ثورة المقراني بالسياسة الاقتصادية للإدارة الفرنسية في الجزائر التي هيمن عليها المعمرون، واعتمدت على التجويع والضرائب ومصادرة الأراضي وإذلال الجزائريين. 

ولم تتوقف المقاومة الجزائرية للاحتلال الفرنسي حتى نالت البلاد استقلالها الكامل عام 1962.

وتجاوز عدد الثورات الجزائرية على المحتل الهمجي 10 ثورات، دفع خلالها أبناء الشعب الجزائري أثمانا باهظة في الأرواح والخسائر المادية والاقتصادية، حتى سميت بثورة المليون شهيد رغم أن الرقم قد يكون أعلى من ذلك بكثير. 
التعليقات (0)