قضايا وآراء

الاقتصاد المصري مخاطر وفرص

أشرف دوابة
هل تساعد مشاريع البناء الكبيرة الاقتصاد المصري فعلا؟- جيتي
هل تساعد مشاريع البناء الكبيرة الاقتصاد المصري فعلا؟- جيتي
نشرت وكالة رويترز يوم الجمعة الماضي (25 تشرين الثاني/ نوفمبر) تقريرا عن الاقتصاد المصري وصفت فيه هذا الاقتصاد بأنه في وضع خطير وغير مستقر، حتى بعد التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي بشأن حزمة إنقاذ جديدة بقيمة ثلاثة مليارات دولار الشهر الماضي، وتخفيضين رئيسيين لقيمة العملة.

وكشفت عن القلق الذي لا يزال ينتاب المستثمرين بشأن السوق المصرية، نظرا لارتفاع فاتورة خدمة الدين التي ستأكل أكثر من 40 في المئة من إيرادات الحكومة العام المقبل، فضلا عن نقص العملة الأجنبية والتوقعات بالمزيد من التراجع في قيمة الجنيه، فسعر السوق السوداء للجنيه المصري البالغ 26-26.5 للدولار لا يزال أقل بنسبة 8 في المئة من المعدل الرسمي البالغ 24.53، على الرغم من الانخفاض العام لقيمة العملة بنسبة 36 في المئة هذا العام، وتجار العملات الأجنبية مقتنعون بأنه سيكون 28 جنيها مقابل الدولار في هذا الوقت من العام المقبل، وقد وضع بنك نومورا الياباني مصر على رأس قائمته للبلدان المعرضة لخطر كبير في أزمة العملة.

هذه البيانات كاشفة لما ينتظر الاقتصاد المصري من مخاطر عالية نتيجة للسياسة التي انتهجتها الحكومة والبنك المركزي على السواء، من خلال فتح باب التداين بصورة مغالى فيها حتى باتت هدفا لا يبارح الحكومة ومنهجا لإقرار سيادة الديون بلا تنمية
وظلت مبيعات أذون الخزانة المصرية قصيرة الأجل للأجانب راكدة نسبيا عند حوالي 4-6 مليارات جنيه مصري، في ظل عدم جاذبية سعر الفائدة أمام المستثمرين، كما حذرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني هذا الشهر من خفض التصنيف الائتماني لمصر، حيث إن عجز الحساب الجاري في مصر و33.9 مليار دولار من مدفوعات الديون الدولية المستحقة للسنوات الثلاث حتى منتصف عام 2025 يتركان مصر عرضة للخطر.

وهذه البيانات كاشفة لما ينتظر الاقتصاد المصري من مخاطر عالية نتيجة للسياسة التي انتهجتها الحكومة والبنك المركزي على السواء، من خلال فتح باب التداين بصورة مغالى فيها حتى باتت هدفا لا يبارح الحكومة ومنهجا لإقرار سيادة الديون بلا تنمية، فضلا عن اعتماد البنك المركزي على التجميل الوهمي للاحتياطي من النقد الأجنبي الذي يمثل في مجمله قروضا من دول خليجية ولا تملك مصر من أمره شيئا يستحق ذكره.

لقد وصل الحال بالاقتصاد المصري أنه أصبح أكثر عرضة للخطر حتى من باكستان، من حيث مدفوعات الديون كحصة من الإيرادات، كما أن سريلانكا المنكوبة بالتخلف عن السداد وغانا التي ستتخلف عن السداد تنفق نحو 41 في المئة من الإيرادات الحكومية التي من المتوقع أن تنفقها مصر على مدفوعات الفائدة على ديونها العام المقبل، وهو ما يعكس حجم أزمة الدين العام المصري وتبعاتها التي تنذر بمخاطر عالية تحيط بالاقتصاد المصري من جميع جوانبه.
الأزمة التي يمر بها الاقتصاد المصري أزمة متعددة الجوانب، ولكنها ترجع في الأصل إلى رفع سنام الديون والسير شبرا بشبر وذراعا بذراع وراء صندوق النقد الدولي؛ الذي ورط مصر في المزيد من هذه الديون وفتح الباب لبيع ما تبقي من شركات قطاع الأعمال العام الناجحة والمميزة، وفي الوقت نفسه غض الطرف عن سيطرة العسكر على الاقتصاد

كما أنه من المتوقع المزيد من انخفاض سعر صرف الجنيه المصري في ظل وضع قيود على بيع العملة الصعبة داخل البنوك المصرية، ومعاناة المستوردين من مشاكل توفير العملة الصعبة للاستيراد من الخارج، مما سيزيد من اختناقات المصانع وتجار التجزئة.

إن الأزمة التي يمر بها الاقتصاد المصري أزمة متعددة الجوانب، ولكنها ترجع في الأصل إلى رفع سنام الديون والسير شبرا بشبر وذراعا بذراع وراء صندوق النقد الدولي؛ الذي ورط مصر في المزيد من هذه الديون وفتح الباب لبيع ما تبقي من شركات قطاع الأعمال العام الناجحة والمميزة، وفي الوقت نفسه غض الطرف عن سيطرة العسكر على الاقتصاد وانحسار وانكماش القطاع الخاص، كما ضرب الحماية الاجتماعية في مقتل فذابت مع روشتته الطبقة المتوسطة وعم الغلاء والوباء.

إن فرص إصلاح الاقتصاد المصري لا يمكن أن يكون فقط ببناء الطرق والجسور، والأولى من ذلك بناء الإنسان الذي سيمشي على هذه الطرق والجسور علميا وصحيا وكرامة ومكانة، والمصانع التي تنتقل منتجاتها على هذه الطرق صباحا ومساء، وتنويع هيكل الاقتصاد بالتركيز على إنتاج السلع التي تحل محل الواردات، وتقليص دور وحركة العسكر في الاقتصاد، وتحفيز القطاع الخاص، وتشجيع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وفق المصالح المتبادلة، وقبل كل هذا أهمية حتمية الإصلاح السياسي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، بإطلاق الحريات العامة وإقرار المصالحة المجتمعية.

twitter.com/drdawaba
التعليقات (2)
الكاتب المقدام
الأربعاء، 30-11-2022 11:31 م
*** -1- صندوق النقد الدولي متواطئ مع سبق الإصرار والترصد على إغراق مصر في الديون، كما فعل مع غيرها من الدول النامية من قبلها، التي أوقع شعوبها في هوة الفقر المدقع، فقراراته مملاة من الدول ذات السيطرة على إدارته لتحقيق مصالح المقرضين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، فمنذ فك ارتباط إصدار الدولار برصيد ذهبي يضمنه، تخرج مطابع النقد في أميركا مئات المليارات من الدولارات الورقية، دون تكلفة عليها، وتعمل على إقراضها للدول النامية بفوائد ربوية تفيد المقرض وتورط المقترضين، وعلى الشعوب الفقيرة أن تبيع ثرواتها وترهن أصولها وتقتطع من قوتها لسداد أقساط الديون وفوائدها، لدعم اقتصاديات الولايات المتحدة وتوابعها، فخبراء الصندوق ومن يسيطرون عليهم، يعلمون بأن السيسي يهدر عشرات المليارات على مشتريات الأسلحة، التي لا تعود على مصر بأي فائدة اقتصادية أو حتى استراتيجية، فالتدريب عليها وصيانتها وتوريد قطع غيارها حكر على الدول المصنعة لها التي تحتكر تقنيات تشغيلها، ومبيعات السلاح تحقق لمصنعيها أرباحاُ خيالية، والسيسي يتعاقد عليها بالأمر المباشر دون دراسة أو مراجعة، لتتكدس في مخازنه، ليحوز على رضا الغرب المتواطئ الذي جاء به ودعم انقلابه على الحكومة والرئاسة الشرعية المنتخبة، ويحصل السيسي هو وعصابة عسكر الانقلاب على عمولات باهظة من شركات السلاح عنها، ويهربها إلى كفلائه في دول الخليج عبر مصارفهم.
الكاتب المقدام
الأربعاء، 30-11-2022 09:26 م
*** -2- خبراء صندوق النقد الدولي يعلمون أفضل من غيرهم، بأن آخر أزمتين اقتصاديتين عالميتين في 1996 التي بدأت في آسيا، وفي 2008 التي بدأت في الولايات المتحدة، وعانى الاقتصاد العالمي خسائر اقتصادية فادحة من انتشارهما، كان سببهما الأول في الحالتين، هو الفقاعة العقارية الناتجة عن الإسراف في الاستثمار العقاري الزائد، وهؤلاء الخبراء انفسهم هم من يشهدون صامتين بل ومشجعين عشرات من مدن الأشباح التي ألقى السيسي في صحرواتها مئات المليارات، وأنشأ لخدمتها شبكة من المرافق والطرق والكباري، والقطارات التي نفذت بتعاقدات أسندت بالأمر المباشر لشركات أجنبية ومحلية وبأسعار باهظة تبلغ أضعاف قيمتها الحقيقية، ولا يوجد أي طلب حقيقي عليها، وستبقى مهجورة لعشرات السنوات المقبلة، وستؤدي لإفلاس غالبية الشركات التي أنشأتها، والبنوك التي مولتها بقروضها، والواقع فإنه لا تبدوا في الأفق أي فرص اقتصادية منظورة للاقتصاد المصري المتجه إلى التدهور والإفلاس، وتدهور معيشة المواطنين الذي نشهد بوادره الأولى وليس نهاياته، والذي سيدفع ثمنه جماهير الشعب المخدوعة التي هللت للانقلاب الإجرامي في يونيو 2013، والله أعلم.