كتاب عربي 21

مبادرة الأزهر الحوارية: هل تجد طريقها للتنفيذ؟

قاسم قصير
1300x600
1300x600
في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، وجّه شيخ الأزهر الإمام الدكتور أحمد الطيب، نداءً إلى علماء المسلمين الشيعة من أجل عقد حوار إسلامي- إسلامي بهدف نبذ "الفتنة والنزاع الطائفي"، في وقتٍ تشهد عدة دول في المنطقة والعالم توترات على خلفيات مذهبية وطائفية ودينية وسياسية، وفي ظل تراجع وفشل معظم الجهود التي بذلت في السنوات الأخيرة للحوار الإسلامي- الإسلامي، سواء على مستوى الدول أو على مستوى العلماء والمؤسسات الحوارية.

وقد توجّه الشيخ الطيب في كلمته التي ألقاها في ختام ملتقى البحرين للحوار "الشرق والغرب من أجل التعايش الإنساني"، بحضور البابا فرنسيس في قصر الصخير الملكي، بنداء إلى "علماء الدين الإسلامي في العالم كله على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم ومدارسهم، للمسارعة إلى عقد حوار إسلامي- إسلامي جاد من أجلِ إقرار الوحدة والتقارب والتعارف، تُنبَذ فيه أسباب الفرقة والفتنة والنزاع الطائفي".

وقال شيخ الأزهر: "هذه الدعوة، إذ أتوجه بها خصوصا إلى إخوتنا من المسلمين الشّيعة، فإنني على استعداد، ومعي كبار علماء الأزهر ومجلس حكماء المسلمين، لعقد مثلِ هذا الاجتماع بقلوب مفتوحة وأيد ممدودة للجلوس معاً على مائدة واحدة".
بمجرد أن أطلق شيخ الأزهر هذه الدعوة للحوار صدرت العديد من المواقف المرحبة من علماء مسلمين سنة وشيعة، ومن عدد من الهيئات الإسلامية التي تدعو للحوار

وحدد إمام الأزهر هدف الاجتماع بـ"تجاوز صفحة الماضي وتعزيز الشأن الإسلامي ووحدة المواقف الإسلاميَّة"، مقترحاً أن تنص مقرراته "على وقف خطابات الكراهية المتبادلة، وأساليب الاستفزاز والتكفير، وضرورة تجاوز الصِراعات التاريخية والمعاصرة بكلِّ إشكالاتها ورواسبها السيئة".

وأكد الطيب أنه "يحرم على المسلمين الإصغاء إلى دعوات الفرقة والشقاق، وأن يحذروا الوقوع في شرك العبث باستقرار الأوطان، واستغلال الدين بإثارةِ النعرات القومية والمذهبية، والتدخل في شؤون الدول والنيل من سيادتها أو اغتصاب أراضيها".

وبمجرد أن أطلق شيخ الأزهر هذه الدعوة للحوار صدرت العديد من المواقف المرحبة من علماء مسلمين سنة وشيعة، ومن عدد من الهيئات الإسلامية التي تدعو للحوار. ومن هذه الردود المرحّبة مواقف لرئيس ملتقى الأديان والثقافات والتنمية والحوار في لبنان العلامة السيد علي فضل الله، ورئيس الوزراء العراقي الأسبق الأستاذ عادل عبد المهدي، ورئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان والمفتي الجعفري الممتاز في لبنان الشيخ أحمد قبلان، وحركة الأمة الإسلامية، وحركة التوحيد الإسلامي، والمنسق العام لشبكة الأمان للسلم الأهلي في لبنان المحامي عمر زين، والعلامة الشيخ حسن الصفار (السعودية)، وتجمع العلماء المسلمين، ورئيس المجمع الثقافي الجعفري للبحوث الإسلامية وحوار الأديان الشيخ محمد حسين الحاج، وأمين عام الجماعة الإسلامية في لبنان الشيخ محمد طقوش، ومجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية في إيران، وهيئة العلماء في بيروت.
أُطلقت من البحرين، وهذا البلد يشهد نزاعا سياسيا بين السلطة والمعارضة يأخذ طابعا طائفيا ومذهبيا

كما نُشرت العديد من المقالات والدراسات حول أهمية الدعوة وضرورة التفاعل معها، ووجه رئيس مجمع التقريب للمذاهب الإسلامية في إيران دعوة لشيخ الأزهر لزيارة إيران لبحث تفاصيل الدعوة، كما جرت عدة اتصالات بين مسؤولين لبنانيين مع الأزهر الشريف لدراسة عقد لقاء تشاوري تحضيرا لمثل هذا الحوار الهام.

لكن لم يتم تحديد الخطوات العملية لذلك حتى كتابة هذا المقال، في حين جرت اتصالات بين عدد من العلماء والشخصيات الإسلامية مع المرجعية الدينية في النجف الأشرف لدراسة أبعاد الدعوة وكيفية التفاعل معها. ولم يصدر موقف حاسم من هذه المرجعية حول هذه الدعوة، مع الإشارة إلى أنه كان من المقرر أن يقوم شيخ الأزهر بزيارة العراق في العام الماضي للقاء المرجع الأعلى السيد علي السيستاني وعلماء العراق، لكن الأوضاع السياسية والأمنية المتدهورة في العراق خلال المرحلة الماضية حالت دون ذلك.

وتكمن أهمية دعوة شيخ الأزهر اليوم في عدة نقاط ومنها:
كل هذه الأجواء والأسباب تؤكد الحاجة إلى حوار إسلامي- إسلامي بعيدا عن الحسابات السياسية والمصالح الضيقة والخلافات التاريخية والمذهبية

أولا: أنها أُطلقت من البحرين، وهذا البلد يشهد نزاعا سياسيا بين السلطة والمعارضة يأخذ طابعا طائفيا ومذهبيا.

ثانيا: لقد تم إطلاق الدعوة بحضور البابا فرانسيس، بعد ثلاث سنوات من توقيع وثيقة الأخوّة الإنسانية بين الأزهر الشريف والفاتيكان، مما يؤكد الحاجة لإطلاق وثيقة إسلامية- إسلامية حوارية.

ثالثا: أتت الدعوة في ظل تطورات إقليمية ودولية تؤكد الحاجة للحوار الإسلامي والحاجة إلى التعاون والتكامل بين الدول العربية والإسلامية، وفي ظل فشل أو تراجع الحوارات السياسية والأمنية.

رابعا: الأوضاع الصعبة التي تواجهها معظم الدول العربية والإسلامية لأسباب سياسية وأمنية واقتصادية، وبعد مرور 12 سنة تقريبا على الربيع العربي ونتائجه المؤلمة.

كل هذه الأجواء والأسباب تؤكد الحاجة إلى حوار إسلامي- إسلامي بعيدا عن الحسابات السياسية والمصالح الضيقة والخلافات التاريخية والمذهبية. والأزهر الشريف ليس جديدا في تجربة الحوار الإسلامي والتقريب بين المذاهب الإسلامية، فقد كانت له تجارب كبيرة منذ بدايات القرن العشرين وحتى بدايات القرن الواحد والعشرين، وأطلق العديد من المبادرات والوثائق الإسلامية والحوارية.
هل الظروف السياسية والعملية ستكون ناضجة لإنجاح دعوة الأزهر الشريف للحوار الإسلامي- الإسلامي؟ وهل ستتحول هذه الدعوة إلى خطة عمل ومشروع متكامل، أم ستبقى صرخة في الهواء ولا تلقى الاهتمام المطلوب من المرجعية الدينية في النجف رغم ترحيب بقية المرجعيات الدينية في لبنان وإيران والسعودية؟ ومتى سنشهد الخطوات العملية لهذه الدعوة المهمة؟

وفي الكتاب المهم "التقريب بين المذاهب الإسلامية في القرن العشرين: الأزهر والتشيع محاولات وتحفظات" للمستشرق الألماني راينر برانر، والذي صدرت ترجمة له عن مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي في العام 2015، يستعرض برانر تجربة الأزهر الشريف في التقريب بين المذاهب الإسلامية وخصوصا الحوارات والمؤتمرات التي عقدت بين علماء الأزهر والعلماء الشيعة، وكذلك تجربة مجلة رسالة الإسلام وغيرها من المجلات والمؤسسات التي أرّخت للحوارات الإسلامية- الإسلامية. كما يستعرض الأسباب التي أدت إلى تراجع دعوة التقريب رغم إنشاء عدة مؤسسات جديدة في عدد من الدول العربية والإسلامية لمتابعة هذه المسيرة، ويعتبر برانر أن الأسباب السياسية قد تكون هي العائق الأساس الذي أدى إلى تراجع دعوة التقريب في السنوات الأخيرة وتراجع دعوة الأزهر الشريف في هذا المجال.

وهناك عدة أسئلة تطرح اليوم: هل الظروف السياسية والعملية ستكون ناضجة لإنجاح دعوة الأزهر الشريف للحوار الإسلامي- الإسلامي؟ وهل ستتحول هذه الدعوة إلى خطة عمل ومشروع متكامل، أم ستبقى صرخة في الهواء ولا تلقى الاهتمام المطلوب من المرجعية الدينية في النجف رغم ترحيب بقية المرجعيات الدينية في لبنان وإيران والسعودية؟ ومتى سنشهد الخطوات العملية لهذه الدعوة المهمة؟

وبانتظار الإجابة على هذه الأسئلة وما سيطرحه الأزهر الشريف من خطوات لتنفيذ مبادرته، فإنه لا يمكن إلا الترحيب بهذه الدعوة المهمة وعلى أمل أن نشهد المزيد من دعوات الحوار والتعاون والتقارب والتكامل في العالم العربي والإسلامي، لأن هذا هو الطريق الوحيد للنهضة ومواجهة مختلف التحديات الداخلية والخارجية.

twitter.com/kassirkassem
التعليقات (0)