أفكَار

الرشيد الطاهر بكر.. من ركائز العمل الإسلامي بالسودان

أمين حسن عمر: الرشيد الطاهر بكر أسهم في التقنين للتشريع الإسلامي بالسودان- (عربي21)
أمين حسن عمر: الرشيد الطاهر بكر أسهم في التقنين للتشريع الإسلامي بالسودان- (عربي21)

على الرغم من أن الإسلاميين في السودان قد حكموا السودان نحو ثلاثة عقود كاملة، إلا أن تجربتهم كانت في أغلبها تعكس طبيعة المواجهة مع النظام الدولي، الذي تحفظ ولا يزال يتحفظ على إشراك الإسلام السياسي في الحكم.

أما الآن وقد انتهت تجربة الإسلاميين في السودان، فإن ذلك يسمح بإعادة قراءة التجربة وتأملها، وليس هنالك طريقة أكثر قربا من من معرفة أسرار واتجاهات الحركة الإسلامية السودانية وأكثر صدقا من قراءة تجارب وأطروحات قياداتها.. وهذا ما فعله القيادي فيها الدكتور أمين حسن عمر، بسلسلة مقالات يسجل فيها سيرة قيادة الحركة الإسلامية في السودان، تنشرها "عربي21" بالتزامن مع نشرها على صفحته الخاصة على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في سياق تعميق النقاش ليس فقط حول تجارب الإسلاميين في الحكم، وإنما أيضا في البحث عن علاقة الدين بالدولة.

رموز التنوير

الحركة الإسلامية في السودان التي باتت تسعى جماعات محلية وقوى إقليمية ودولية لشيطنتها ومحاولة بناء حواجز فاصلة بينها وبين أجيال صاعدة لم تشهد بزوغ فجر الحركة ولم تعرف تاريخها ولم تتعرف على إنجازاتها ولا وقع آثارها في المجتمع والدولة، ولا هي اطلعت على تضحيات جهادها عبر الحقب، وربما لم تقرأ صحائف فكرها ولم تعرف وقائع دعوتها في مجتمع كان مقسما بين نخبة متغربة ومجاميع أهلية مقلدة، فكان المجتمع بين تغريبتين واحدة في المكان والثانية في الزمان، حتى طلعت الحركة الإسلامية الحديثة بمصابيح تنويرها ورموز نهضتها على الناس فبدلت بإذن الله أحوالا كثيرة وارتقت مراقي عسيرة في دروب التغيير والتطوير. وفي هذه الحلقات سوف أتجشم محاولة التعريف ببعض رموز التنوير الإسلامي في السودان.

الرشيد الطاهر بكر

كان الرشيد الطاهر بكر من الثلة التي اجتمعت في 1954 في أول مؤتمر رسمي للحركة الإسلامية، حركة التحرير الإسلامي حتى ذلك الوقت وكانت الحركة بخلاف الحزب الشيوعي المنافس لها قد عملت لأجل تحقيق الحكم الذاتي بصفتها حركة تحرير وطني إسلامي.. وعندما أعلن الحكم الذاتي أيدته ووقفت بقوة مع الحكومة الوطنية الجديدة، وكان ميل الحركة اتحاديا أضعفه موقف عبد الناصر الذي أبعد اللواء محمد نجيب ثم دخل في مصادمة دموية مع حركة الإخوان التي حظيت بتعاطف كبير بين الإسلاميين في السودان، وبخاصة بعد أن بايعت مجموعة من السودانيين المقيمين في مصر الإمام البنا وعلى رأس أولئك الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد.. كما أن مجموعة أخرى في أم درمان وعلى رأسها الأستاذ علي طالب بايعت حركة الإخوان على يد وفد بعث به الإمام حسن البنا للسودان برئاسة جمال الدين السنهوري. 

 



وهذا التقارب مع الإخوان هو الذي أدى للانشقاق الأول بخروج مؤسس الحركة الأستاذ بابكر كرار ليؤسس الجماعة الإسلامية ذات التوجه الإسلامي الإشتراكي، واختار المؤتمر الرشيد الطاهر زعيما للحركة وقرر تأسيس جبهة الدستور لتكون مجموعة ضغط لصالح دستور إسلامي للسودان بعد استقلاله. وقد اختير الإستاذ محمد خير عبد القادر أمينا لجبهة الدستور عند انعقاد اجتماعها الأول. وظل الرشيد الرجل الأول في المجموعة الداخلية حتى اتهامه بالضلوع في انقلاب علي حامد والحكم عليه بالسجون خمس سنوات.

وقد ولد الرشيد الطاهر بكر بكر كوج مطلع الثلاثينيات، لكنه درس المرحلة الأولية بالقضارف، ثم المرحلة الوسطى بمدرسة الأحفاد بأم درمان، والثانوية بمدرسة حنتوب الثانوية، ثم بكلية الخرطوم الجامعية (جامعة الخرطوم) في مدرسة القانون، ورشحته الحركة الإسلامية لرئاسة اتحاد طلاب جامعة الخرطوم سنة 1954م، واتهام الرشيد بالمشاركة في انقلاب المقدم علي حامد عام 1959م ضد نظام الفريق عبود أثار جدلا داخل الحركة الإسلامية وخارجها. 

ويرى البعض أن تحرك الرشيد وصغار الضباط كان يهدف إلى إعادة الديمقراطية بعد أن سلم حزب الأمة السلطة للجيش في تشرين الثاني (نوفمبر) 1958 أولا بواسطة الجنرال عبد الله خليل القائد العسكري السابق ثم بتسليم عبد الله خليل السلطة لجنرالات الجيش، ورغم صغر سن الرشيد آنذاك فقد اقتنع الجميع أنه القائد السياسي للانقلاب وذلك رغم اختلاف توجهات الضالعين في المحاولة التي قادها صغار الضباط وجاءت بعد انقلاب محيي الدين وشنان وهما اللذان جرى استيعابهما في المجموعة الحاكمة بخلاف انقلاب على حامد 1959 والذي أعدم قائده ومعه أربعة من رفاقه.. وكان الملازم جعفر نميري ضمن المتهمين لكن أخلي سبيله لعدم كفاية الأدلة ضده. 

 



وقد حوكم الرشيد الطاهر بالسجن خمس سنوات، وأطلق سراحه عام 1963م، فعاد لمسقط رأسه وفتح مكتباً للمحاماة بالقضارف، وعند قيام ثورة تشرين أول (أكتوبر) 1964م كان من زعماء الثورة بالقضارف، ورغم عتب المجموعة التي قادت الحركة الإسلامية (على رأسها الأستاذ صادق عبد الله عبد الماجد) آنذاك على الرشيد بسبب عدم تورطه في الانقلاب دون مشورة الحركة إلا أن الرشيد عاد عضوا فاعلا في الحركة الإسلامية ورشحته الحركة الإسلامية وزيراً في حكومة أكتوبر الثانية بديلاً للشهيد محمد صالح عمر، حيث شغل وزارة الثروة الحيوانة كما أنه فاز في انتخابات الجمعية التأسيسية عام 1965م ممثلاً لجبهة الميثاق الإسلامي.. لكنه قدم استقالته من الجبهة عام 1966م، وانضم بعد ذلك في عام 1967م للحزب الوطني الديمقراطي وقد قدمه الأزهري الذي احتفل بكسبه للحزب الاتحادي ليكون وزيرا ممثلا للحزب فشغل وزارة العدل ثم وزارة الأشغال العامة. 

وبعد قيام مايو شارك في سلطة مايو بعد إبعاد الشيوعيين وتولى مواقع عديدة وتجددت المسافة النفسية بينه وبين إخوانه السابقين بسبب مغادرته للحركة ثم عمله مع نميري في ذات الإبان عندما كانت مايو اعتقل العشرات منهم. عمل الرشيد أول الأمر سفيرا للسودان في ليبيا سنة 1972 ثم عين رئيسا لمجلس الشعب الثاني سنة 1974. وعينه نميري في أيلول (سبتمبر) 1976 نائبا له ورئيسا للوزراء بتفويض واسع.. وشهدت هذه الفترة من انقلاب المقدم حسن حسين في أيلول (سبتمبر) 1975 اعتقالات واسعة للإسلاميين حتى خرجوا بالمصالحة الوطنية في تموز (يوليو) 1977. 

ولا شك أن لذلك أثره في برود العلاقة إن لم يكن توترها مع الرشيد الطاهر لكن الإسلاميين جميعا أقروا بأن وجوده إلى جانب نميري كان عنصر اعتدال وتقريب من التوجهات الإسلامية.. وكان تعيين الرشيد الطاهر نائبا لنميري ورئيسا للوزراء بمثابة خطوة واسعة باتجاه التوجه الإسلامي الذي تبناه النميري بإعلان برنامج القيادة الرشيدة ثم النهج الإسلامي ثم المصالحة الوطنية وإعلان تحكيم الشريعة فيما بعد في العام 1983. 

 



وقد عين الرشيد رئيسا لمجلس الشعب الرابع في 1980 بعد إعفائه في 1977 ثم نائبا عاما في 1983 مع إعلان تحكيم الشريعة.. وكان رفيق دربه وصديق عمره الأستاذ دفع الله الحاج يوسف رئيسا للقضاء آنذاك ثم عين الرشيد فى 1985 مساعدا لرئيس الجمهورية للشؤون القانونية قبيل انتفاضة رجب أبريل في ذات العام.

 

وقد اضطلع الرشيد الطاهر وثلة من المقربين إليه وعلى رأسهم دفع الله الحاج يوسف رئيس القضاء بدور مقدر في ترشيد تجربة نميري الإسلامية. ورغم ابتعاد الأستاذ الرشيد عن تنظيم الحركة الإسلامية إلا أن قادتها الذين عتبوا عليه في مواقف وعتب عليهم في مواقف ظلوا يعدونه من ركائز العمل الإسلامي في السودان ويحفظون له الفضل في جهوده التشريعية والقانونية لدفع التوجه نحو الإسلام في السودان.


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم