كتب

رحلة نادرة داخل الثورة الإيرانية

كتاب يروي قصة الثورة الإيرانية مع معارضيها  (أنترنت)
كتاب يروي قصة الثورة الإيرانية مع معارضيها (أنترنت)

الكتاب: قافلة الإعدام.. مذكرات سجين في طهران
المؤلف: بهروز قمري
الترجمة: ريم طويل
الناشر: دار الساقي/ 2020

لأكثر من خمس وعشرين عاما وفي اليوم الأخير من كل سنة، اعتاد بهروز قمري على "الاختباء" من تفاصيل ونشاطات حياته اليومية، ليقوم برحلة شخصية تحتفي بذكرياته عن المعتقل الذي كانه في طهران قبل عشرات السنين، عن "أكبر" المحكوم بالإعدام بعد قيام الثورة الإيرانية، والذي ظل لثلاث سنوات في سجن النظام الذي تولى سلطة البلاد في العام 1979، بانتظار تنفيذ الحكم في أية لحظة، لكنه وجد نفسه فجأة وقد نجا من حياته المروعة تلك بإفراج لأسباب صحية بعد أن أنهك السرطان جسده!. نجا "أكبر" في 31 كانون أول (ديسمبر) من سنة 1984، اليوم الذي خصصه في ما بعد قمري لاستعادة حكايات المسجونين التي اشتبكت وامتزجت بحكايته. في اليوم الأخير من كل سنة يعزل نفسه عن حاضره ويغرق لاثنتي عشرة ساعة في ذلك العالم البعيد والرهيب لينسج منه حكاية جديدة، لا يقرؤها غيرعدد قليل من أهله وأصدقائه، حتى اعتادوا معه هذا الطقس، فباتوا يسألونه عنها إن تأخرت (1).

هكذا سنة بعد أخرى تواصل سيل الحكايات حتى وجدت طريقها إلى صفحات كتابه هذا البديع والاستثنائي. 

 



في المقدمة يقول قمري: "هكذا مت، بالخروج من عالم لا يمكن تصوره، ودخول عالم مربك من التفاهات. تركت نفسي السابقة في مكان يوجد فقط في شروط مستحيلة. حاولت لسنوات عدة، أن أفتح قناة مع العالم الذي تركته خلفي، مع لحظة الموت، مع المزاج الذي سبقها، والرعب الذي ميزها. حاولت أن أصف تلك اللحظة المبهمة... أستمر في الكتابة لإثنتي عشرة ساعة، وهو تماما عدد الساعات نفسه الذي قضيته أقرأ شعر حافظ في اليوم الأخير من حياتي السابقة. أكتب أحيانا خمس صفحات، أحيانا عشرين، وفي أوقات أخرى مجرد خمسة أسطر. لا أعرف أبدا ما الذي سينتج عندما أجلس لأكتب. أعرف فقط أنني يجب أن أترك جسدي يشعر ببرودة الأرض القاسية التي جلست عليها طوال تلك الساعات الإثنتي عشرة". 

أعداء الثورة

الكتاب صدر في طبعته الأصلية بالإنجليزية في العام 2016 بعنوان رئيسي "تذكر أكبر" وعنوان فرعي "داخل الثورة الإيرانية"، وهو يقع في منطقة وسطى بين المذكرات والرواية. ليس توثيقا لإرهاصات الثورة الإيرانية وما بعدها، أو للفظائع التي ارتكبها نظام الخميني بحق ناشطي اليسار، والتي أفضت إلى إعدام الآلاف منهم، وليس سجلا ليوميات "أكبر"، الإسم الحركي لبهروز، في الاعتقال، لكنه مزيج من كل ذلك ومن عالم من الأفكار والتأملات، والهواجس والمواقف المعقدة لشخصيات حقيقية، وأخرى مركبة أدبيا. 

هو شكل في الكتابة قال قمري، في أكثر من حوار منشور معه ( )، إنه وفر له حرية أكبر في التعبير، والتقاط  جوهر الحالة السياسية والإنسانية، التي عاشها وغيره من المعتقلين، في لحظة تحول تاريخية قد تكون تفاصيلها مجهولة للكثيرين داخل إيران وخارجها. فضلا عن ذلك فإن قمري، أستاذ علم الاجتماع والتاريخ في جامعة برينستون الأمريكية، لم يرد لكتابه أن يكون، فقط، عن الألم والعذاب الذي واجهه المعتقلون، وهي مواضيع فرضت نفسها بدون شك، ففكرة الحديث عن السجناء السياسيين من زاوية مأساوية وكمجرد ضحايا للعنف والعسف السياسي لم ترق له، ولم يجدها معبرة بشكل واقعي عن تجربته، لذلك فتح باب ذكرياته على التفاصيل الدقيقة والحميمية لعالم المسجونين، وأراد للقارئ أن يراهم كبشر عاديين، يتحدثون ويتصرفون كأي إنسان آخر تقوده شبكة معقدة من المعتقدات والخلفيات الاجتماعية والثقافية والأخلاقية. إنهم يضحكون ويسخرون ويبكون ويغنون، يشتاقون لأحبتهم في الخارج وللحرية، ويضيؤون بذكرياتهم عتمة سجنهم. قد يكونوا خبثاء وقد يكونوا طيبي النوايا، مثقفين ومنخرطين في أنشطة سياسية، أو عمالا بسطاء لا ناقة لهم ولا جمل في كل ما يحدث حولهم، لكنهم جميعا في السجن باعتبارهم أعداء للثورة. 

 

 



قادة هذه الثورة كانوا قد تعهدوا للشعب بتحويل سجن"إيفين"، الذي قضى فيه قمري ثلاث سنوات في زنزانة المحكومين بالإعدام، إلى متحف "يشهد على فظاعات الماضي.. صرحوا في ذلك المساء البارد من شباط / فبراير 1979 (أنه) لن يكون هناك المزيد من السجناء السياسيين". 

يقول قمري واصفا الحال التي كانت عليها البلاد بعد الإطاحة بالشاه: "باتت الأصوات الصاخبة التي دعت في انسجام لإنهاء الملكية تعلو اليوم متنافرة. ادعى كل من الشيوعيين، والاشتراكيين، والتحرريين، والقوميين، والنساء، والعمال، وطلاب الجامعات، والأقليات الدينية والإثنية، وأيضا موظفي الثورة الشباب، ورجال الدين الشديدي الحذر، بثقة مطلقة، أنهم يحملون المعنى الحقيقي للثورة. حوّل التعطش إلى السلطة الأصدقاء إلى أعداء، والثوار إلى موظفي أمن، والسجناء إلى محققين، وقادة المجتمع إلى جواسيس، وأفراد العصابات المدنيين إلى قتلة، والمعلمين إلى شرطة أخلاق، والطلاب إلى مخبرين، وكذلك المحادثات الودية إلى شجارات غير قابلة للحل؛ شهدنا بعيون مترقبة جدران السجن تعلو وتزداد خلفها فظاعة الأعمال الوحشية".

انعطافات مفاجئة

ستكشف حكايات "أكبر" عن عالم فج، تجرح القسوة والتعذيب فيه رحلات الخيال إلى الطبيعة الجميلة، وحوارات الشعر والموسيقى، وتكسر نداءات الحرس فيه الأمنيات الهشة بالعيش ليوم آخر جديد. عالم تسير فيه مشاعر الريبة والاطمئنان، الشفقة والتقزز، الهزيمة والانتصار جنبا إلى جنب، وتتصارع فيه الإرادات داخل السجن وخارجه، لا يعرف متى وكيف تتغلب إحداها على الآخرى، فثمة منعطف مفاجئ دائما في الحكاية، غالبا ما ينتهى بالموت. 

تأخذنا الحكاية الأولى في الكتاب إلى تفاصيل رحلة يقوم بها "أكبر" مع عدد من أصدقائه (حسان، والسيد جيلاني، ومحسن، ونصرالله) بسيارته فجرا إلى ساحل بحر قزوين. أراد "أكبر" أن يبدأوا رحلتهم في هذا الوقت قبل شروق الشمس حتى يستمتعوا بمشاهدة "ضباب الصباح يخيم على صخور الجبال المغطاة بالطحالب". سيطلب منهم أيضا أن ينزلوا النوافذ ليشموا رائحة التراب الرطب. وفي الطريق سيتوقفون عند أحد المقاهي البسيطة ويتناولوا عجة البيض بالجبن "المدهشة"، وبعد ثلاث ساعات أخرى على الطريق سيصلوا وجهتهم. على ذلك الشاطىء البعيد، "حيث لم تطأ قدم سائح أبدا" سيركن "أكبر" سيارته بالقرب من كوخ يعد صاحبه كباب سمك الحفش بطريقة لا مثيل لها. وقبل أن ينهوا طعامهم سينشب شجار سببه رفض نصرالله تناول الحفش التي حرمها الإمام، والفودكا. ستضعنا الحكاية عندما ندرك أنها كانت لعبة خيال يمارسها المسجونون في الزنزانة. سيقول أكبر: "حسنا، لم يكن هذا جزءا من الخطة. لقد خضنا رحلات عدة إلى كل أنحاء البلاد، ولم نختبر أبدا عراكا من أجل جرعة متخيلة من الفودكا". نصرالله المؤيد للثورة والمتدين لن تنتهي حكايته بموته، لكنه لن يغادر السجن قبل أن يطلب منه التعرف إلى جثة أخته المشوهة، بعد أن فجرت نفسها لتتجنب الاعتقال.

نوافذ الذاكرة

ستفتح لنا ذكريات "أكبر" نافذة على العالم الخارجي، بعيدا عن جدران السجن، تطل على بدايات نشاطه السياسي، وظروف الحركة الطلابية المعارضة، والخلافات العبثية بين الأحزاب اليسارية، والمحاولات المستميتة لضم العمال إلى صفوف الثورة ضد السياسات الرأسمالية للدولة. سيخبرنا عن كل ذلك بطريقة سينمائية؛ سيحملنا أنين سجين معذب ملقى في الممر أمام باب الزنزانة إلى قصة جرت أحداثها خارج السجن، عندما كان الشاب ذاته طالبا في كلية الحقوق وصاحب خطب حماسية ومحرضة للعمال. وستحملنا الكومة الكبيرة للكتب الملقاة في حمام السجن إلى قصة أخرى عن تحركات غاية في السرية والحذر لـ "أكبر" وصديق آخر له للاطلاع على ما اعتقد أنه نسخة من كتاب "ما العمل". وستقودنا اللحظة التي يلتقي فيها "أكبر" من تحت عصبة عينيه بـ "سايروس" دون أن يكون قادرا على تبادل الحديث معه، إلى رحلته المرهقة لمدينة جالوس لإيصال منشورات سياسية. 

لكن الذكريات أيضا ستفتح نافذة على العالم الداخلي لـ "أكبر"، على الصراعات النفسية التي عاشها خلال فترات التحقيق، ومشاعره المرتبكة تجاه كل ما يحيط به. 

يقول: "تتطلب النجاة من التحقيق+ ما هو أكثرمن التغلب على مخاوفك بكثير، أو تجاوز ألم التعذيب الذي لا يحتمل. فهي كذلك لعبة شطرنج، ستخسر إن لعبت بإستراتيجية سيئة، وبإستراتيجية جيدة، ستظل خاسرا.... طالما تستطيع أن تبرر في عقلك ما فعلته أو ما قلته، أنت تربح. لكنك تخسر في اللحظة التي تصبح فيها أفعالك غير قابلة للتبرير أمام نفسك". وعندما يواجهه المحقق بمعلومات عن دراسة كان قد وضعها بعنوان "النظرية والتطبيق" يدرك أن اسمه المستعار "أكبر" لم يكن الشيء الوحيد الذي عرفوه عنه، ويتساءل كيف يمكنه الآن أن يؤلف رواية منطقية للمحقق حول نشاطاته في الجامعة. 

يقول: "فكرت في كل المشتبه فيهم المحتملين وكيف كانت علاقتي بهم. ما الذي عرفه كل واحد منهم عني وكيف يمكنني أن أبتكر قصة قابلة للتصديق في كل حالة، ليس لحماية نفسي فقط وإنما لانقاذهم أيضا". 

ويتابع حواره الداخلي في موضع آخر: "ليس هناك ما يمكن قوله. واجه الأمر، إما أن تعترف وإما تموت. ليس الأمر بذلك التعقيد. هل أنت خائف من الموت؟ لا، أنا لست خائفا من الموت. بصدق أنا لست خائفا من الموت. هل هو الألم ، إذا؟ لا، إنه ليس الألم، أنا لست خائفا من الألم. أنت خائف من الألم، سيكسرون عظامك، سيفتحون نعال قدميك بسياطهم. أعرف كل ذلك، لكن بصدق، ليس ذلك ما يرعبني". إنه خائف من "عواقب" التعذيب. يقول: "الخيانة هي ما أخشاه، ذلك النوع من الألم. أنا خائف من العار، النوع الذي يمكن أن أجلبه إلى نفسي..".

خرج بهروز قمري "أكبر" من سجن "إيفين" عشية رأس السنة عام 1984، أنزلوه عند الحديقة التي كان ينتظر فيها أهالي السجناء للمناداة عليهم لزيارة أبنائهم. عندها اقتربت منه إحدى الأمهات وسألته: "كيف الوضع في الداخل؟" فأجابها: "نحن بخير في الداخل" يقول: "فجأة أدركت أنني لم أعد أنتمي إلى تلك الـ نحن".


على كرسي التحقيق رأى "أكبر" نقشا لعبارة تقول "هذا أيضا سيمر". أيا من نقشها فقد كان محقا.

التعليقات (0)